نزلت اشتغل وعملت جمعيه عشان اجدد بيتى وكنت كل اما اشترى حاجه جوزى يقولى لا شيليها لما نوضب الشقه
قلت متأكدة؟
أيوه.
والعقد رسمي؟
أيوه.
سكتنا، وبعدين قالت أنا كمان هشهد.
قلت ليه؟
عشان اللي عمله فيكي، عمله فيا.
قفلت. ولأول مرة حسيت إن الحقيقة بدأت تتجمع. ما كانش الموضوع مجرد راجل خان مراته، كان واحد بنى حياته الجديدة على أنقاض حياة واحدة تانية. لكن المفاجأة الأكبر كانت لسه جاية.
بعد أسبوع، المحامي اتصل بيا قال فادية، تعالي المكتب.
روحت، كان قاعد قدامه ملف كبير، قال لقينا حاجة مهمة.
إيه؟
طلع ورقة... عقد بيع. بصيت الشقة؟
أيوه.
يعني باعها؟
لا.
أمال؟
قال هو حاول يبيعها، بس البيع ما تمش. وبعدين طلع ورقة تانية دي ورقة توكيل مزورة.
بصيت له مزورة؟
أيوه.
يعني حاول يبيع نصيبي بتوكيل مزور؟
هز راسه. حسيت إن رجلي بردت. قال الموضوع بقى أخطر... وعشان كده لازم نكمل.
كملنا. وفي المحكمة، علي ظهر لأول مرة من غير ابتسامته، كان وشه مرهق. نادين شهدت، سامح شهد، وأنا قدمت كل اللي عندي.
ولما اتسأل علي عن الفلوس، قال دي كانت فلوس بيتي.
القاضي سأله عندك ما يثبت؟
سكت. اتسأل عن الجمعية... سكت. عن الفواتير... سكت. عن التوكيل... هنا انهار، بدأ يقول أنا كنت مضطر.
بصيت له... نفس الكلمة مضطر. لكن المرة دي ما صدقتهاش. قلت كلنا بنتحط تحت ضغط، بس مش كلنا بنخون... سكت... مش كلنا بنسرق تعب اللي معانا، ومش كلنا بنكسر إنسان وثق فينا.
خرجت من المحكمة وأنا حاسة إني لأول مرة استرديت صوتي.
بعد شهور من الإجراءات، صدر الحكم. ما أخدش كل حاجة بسهولة، كان فيه حسابات ورد أموال وتعويضات، وتسوية لنصيبي في الشقة، وإجراءات تانية بسبب التوكيل المزور. لكن الأهم بالنسبة لي ما كانش الرقم، كان إني ما خرجتش من التجربة خسرانة... خرجت وأنا عارفة قيمة نفسي.
الشقة اتباعت بعد كده بالطريقة القانونية وأخدت نصيبي. أما الحاجات اللي كنت شاريها؟ رجعت جزء كبير منها. ولما دخلت المخزن اللي كانت الحاجات متخزنة فيه، وقفت قدام السجاد لمسته بإيدي، افتكرت أول يوم اشتريته. كنت راجعة من الشغل تعبانة بس كنت فرحانة، قلت لنفسي وقتها ده هيبقى في بيتنا. ابتسمت، لأن البيت اللي كنت بحلم بيه ما بقاش بيت علي، بقى مجرد مرحلة وعدت.
رجعت بيت أهلي، قعدت على الأرض وبدأت أفتح الكراتين طلعت الملايات، الكفرات، الأطباق، الكوبايات، طقم المعالق... كل حاجة. أمي دخلت قالت هتعملي بيهم إيه؟
بصيت لها هفرش.
فين؟
ابتسمت بيتي.
بعد كام شهر، استأجرت شقة صغيرة... مش كبيرة، ولا فخمة، بس كانت بتاعتي. أول يوم دخلتها، حطيت السجادة اللي اشتريتها من فلوسي، فرشت الملايات، رتبت المطبخ، حطيت طقم المعالق في الدرج. وقفت في نص الصالة بصيت حواليا وفجأة عيطت، بس المرة دي دموعي ما كانتش وجع... كانت راحة. أنا أخيرًا فرشت الحاجة اللي تعبت فيها من غير ما حد يقولي شيليها، من غير ما أخاف إنها تختفي، من غير ما أستنى حد يحقق لي حلمي... أنا حققته لنفسي.
بعد فترة، علي حاول يتواصل. رقم غريب، رديت سمعت صوته فادية.
سكت.
أنا عايز أتكلم معاكي.
قلت اتفضل.
أنا غلطت... عارف... ممكن نرجع؟
ضحكت نرجع؟
أيوه.
ليه؟
عشان أنا لسه بحبك.
سكت شوية وبعدين قلت أنت ما كنتش بتحبني.
كنت.
لو كنت بتحبني، ما كنتش خدت مرتبي... سكت... لو كنت بتحبني، ما كنتش خبيت عليا ديونك... سكت... لو كنت بتحبني، ما كنتش اتجوزت واحدة تانية وأنا على ذمتك... سكت... لو كنت بتحبني، ما كنتش سبتلي ورقة طلاق على ترابيزة ومفتاح شقة.
بدأ صوته يتهز أنا كنت غلطان.
قلت وأنا كمان كنت غلطانة.
في إيه؟
إني اديتك ثقة أكتر من اللازم... سكت... واعتبرت إن جوازي منك معناه إن فلوسي ووقتي وتعبى بقوا ملكك. قلت بس أنا اتعلمت.
قال يعني مفيش فرصة؟
بصيت حواليا... بصيت للسجادة، للمطبخ، للملايات، للحاجة اللي رجعتلي، وقلت لأ.
سكت ليه؟
قلت عشان أنا مش عايزة أعيش في بيت حلو مع شخص وحش. وقلت أنا عايزة أعيش حياة بسيطة مع راحة بال.
وقفلنا.
بعد المكالمة، قعدت قدام الشباك. افتكرت اليوم اللي وقفت فيه تحت السرير وملاقيتش حاجتي، افتكرت الورقة، المفتاح، الطلاق، الصور، الخيانة، والمحكمة، وكل حاجة. وافتكرت نفسي وأنا بقول عملت لك إيه؟
دلوقتي عرفت... أنا ما عملتش له حاجة. المشكلة ما كانتش فيا، المشكلة كانت إني كنت مع شخص شايف طيبتي فرصة، شايف مرتبي مصدر تمويل، وشايف ثقتي غباء. لكن هو ما كانش يعرف إن الحاجة اللي بيكسرها فيا هتخليني أقوى.
بعد سنة تقريبًا، نهى جت تزورني. دخلت البيت وبصت حواليها قالت يا فادية!
ضحكت إيه؟
ده نفس السجاد؟
أيوه.
ونفس الكوبايات؟
أيوه.
وطقم المعالق؟
أهو.
ضحكت إنتِ محتفظة بيهم كأنهم كنز.
بصيت لها عشان فعلًا كنز.
ليه؟
مسكت واحدة من الكوبايات عشان كل حاجة هنا بتفكرني إني كنت فاكرة إن حياتي انتهت... سكتت... وبعدين اكتشفت إنها كانت بتبدأ.
نهى ابتسمت بقيتي قوية.
ضحكت لا.
أمال؟
بقيت فاهمة.
بصتلي باستغراب، قلت القوة مش إنك ما تعيطيش.
أمال إيه؟
القوة إنك تعيطي، وتنامي، وتصحى تاني يوم وتكملي.
سكتنا، وبعدين نهى قالت طب لو رجع بيكي الزمن؟
فكرت وقلت كنت هشتغل برضه.
وهتعملي جمعية؟
أيوه. ضحكت
وهتشتري الحاجات؟
أيوه.
وهتتجوزي علي؟
هنا سكت، وبعدين قلت لأ.
ضحكنا، وقمت دخلت المطبخ. فتحت درج المعالق، بصيت لطقم المعالق اللي وقع من إيدي يوم اكتشفت الخيانة. لمسته وقلت لنفسي أهو رجع... بس اللي ما رجعش كان الشخص اللي كنت فاكرة إنه يستاهل كل التعب ده.
وبعد فترة، عرفت من الناس إن علي خسر كتير من فلوسه، وإن زواجه التاني انتهى بعد ما نادين اكتشفت إنه كان بيكدب عليها هي كمان. وعرفت إن سحر بعد كل اللي عملته بقت بتلوم نفسها.
لكن أنا ما فرحتش، لأني فهمت إن أحسن انتقام مش إن اللي أذاك يتوجع، أحسن انتقام إنك ما تبقاش محتاج تشوفه بيتوجع عشان تحس إنك كسبت.
أنا كسبت يوم ما بطلت أسأل هو ليه عمل فيا كده؟ وبدلت السؤال ب أنا هعمل إيه لنفسي من هنا ورايح؟
والإجابة كانت واضحة هعيش، هشتغل، هحوش، هشتري، وهفرش... بس المرة دي مش هحط حاجة تحت السرير عشان مستنية حد يوضبلي حياتي، أنا اللي هوضبها، وأنا اللي هفرشها، وأنا اللي هختار مين يدخلها ومين يفضل واقف بره الباب.
لأن البيت مش سجاد وكفرات ومطبخ جديد... البيت أمان، والأمان عمره ما يتبني مع شخص بيبيعك أول ما يلاقي حد تاني. وأنا أخيرًا فهمت إن أكبر خسارة في حياتي ما كانتش الحاجات اللي راحت، أكبر خسارة كانت السنين اللي قضيتها وأنا بحاول أقنع نفسي إن اللي قدامي بيحبني... وأكبر مكسب إني أخيرًا بطلت أقنع نفسي.
ومن يومها، كل ما أشوف طقم المعالق ده في درج المطبخ، أفتكر اليوم اللي وقع فيه على الأرض، وأفتكر صوت رنته، وأفتكر قد إيه كنت مكسورة... وبعدين أبص حواليّا على بيتي الصغير، وأبتسم، وأقول
الحاجة اللي وقعت يومها على الأرض ما كانتش طقم المعالق... دي كانت الثقة. وأنا بعد ما لمّيتها من الأرض عرفت أحطها في مكانها الصح... جوايا، مش في إيد حد تاني.