حماتي طردتني قدام الكل وقالتلي: "مش عايزين قرفك تاني هنا"
مرض شديد وظلت طريحة الفراش لفترة طويلة وما عادتش تقدر تطلع من البيت، وعرفت إن رامي وميار عانوا كتير في السكن والمعيشة، وإنهم كانوا بيندموا كل يوم على ما فعلوه، وإن رامي كان بيجي من وقت للتاني يقف بعيد عن بيتي أو عن العيادة يشوفني من بعيد ويمشي من غير ما يتكلم، وعرفت إنهم كانوا بيعيشوا كل يوم مع عذاب الضمير والندم اللي ما يريحهم أبداً.
واحدة من الأيام كنت ماشية في الحديقة القريبة من بيتي، لقيت رامي جاي ناحيتي وبيده صندوق صغير، وقف قدامي بكل احترام وقال لي
يا وردة.. أنا ما جيتش أزعجك ولا أطلب منك حاجة، بس جيت أديكي ده، ده كان لأمي الحاجة فوزية، أوصتني قبل ما تموت إني أعطيه لك، وقالت لي ده أقل شيء ممكن نعوضك بيه عن كل اللي خدوه منك، وقالت لي إنها عرفت متأخراً إنك كنتي نعمة ربنا لينا وما قدرناش نحافظ عليكي، وإنها بتمنى إنك تسامحيها من قلبك.
أخذت الصندوق منه وفتحته، لقيت فيه مجوهرات كانت لوالدة جلال، وورقة مكتوبة بخط الحاجة فوزية تقول فيها
يا بنتي وردة.. سامحيني.. أنا كنت أظن إن المال والبنون هم كل حاجة، وما عرفتش إن أطيب الناس وأكثرهم وفاءً كانوا جنبي وأنا ما شفتش، كل ده لكِ عشان تعرفي إنني عترفت بغلطي، وإنك كنتي أحسن منا كلنا.. عيشي سعيدة يا بنتي وربنا يوفقك في حياتك.
دمعة نزلت من عيني مش عشان حاجة حصلت، بس عشان الحقيقة اتضحت في الآخر، وإن الندم جالهم مهما كان متأخر، قلت لرامي
أنا سامحتها يا رامي، والله يسامحنا كلنا، وادعيلها بالرحمة والمغفرة، واعرف إن الحياة قصيرة وما تستاهلش نضيعها في الكراهية والغلط، واحرص على بنتك لما تيجي الدنيا تربيها على الخير والحق والاحترام للناس، عشان ما تندم زي ما اندمنا.
سكت رامي وهز راسي بدموع في عينيه ومشى، وأنا ظللت واقفة شوية في الحديقة وبعدين مشيت طريقي، وشعرت إن كل حاجة انتهت، وإن القصة دي خلصت بكل ما فيها من ألم وندم وآمال، وبدأت صفحة جديدة في حياتي، صفحة مليئة بالسلام والقوة والرضا، وعرفت إن اللي بيعمل خير بيلاقي خير، واللي بيعمل ظلم مهما طال الزمن جزاؤه جاي لا محالة، وإن الكرامة أغلى من أي حاجة في الدنيا، وما ينفعش أي إنسان يبيعها بأي ثمن كان.
وأنا ماشية في طريقي كنت أتذكر السؤال اللي كان بيجي في بالي كتير هل عملت الصح لما مشيت؟ وكنت أجيب نفسي بكل يقين وثقة نعم عملت الصح.. لأنني حافظت على كرامتي، وأخذت حقي، وثبت للكل إن الحق مهما حبسوه ومهما كذبوا عليه لازم يظهر، وإن الست الضعيفة اللي كانوا بيظنوها خادمة عندهم كانت في الحقيقة أقوى منهم كلهم، وإن اللي بيستحي ياخد حقه بياخده الزمن مهما كان، وإن الحب الحقيقي ما بيجي إلا مع الاحترام والصدق، وبدونهم ما يساويش أي قيمة في الدنيا.
والصورة اللي كانت هتهدم معبده على دماغه؟ كانت سبب في كشف كل الحقيقة، وسببت في إيقاظه من غفلته، وإن كانت ألمتني في البداية إلا إنها كانت النور اللي خلاني أشوف الطريق الصحيح وأمشي فيه من غير ما أتردد ولا أندم، وآخر الحكاية إن كل واحد أخذ نصيبه، وأنا أخذت نصيبي من السلام والحرية والكرامة اللي ما يقدروا يشتروها بكل ما يملكون من دنيا زائلة.