جوزي كان يخليني أشتغل وأصرف على البيت كله عشان هو بيأسس نفسه
يحاول يشرح وأنا خلاص سمعت كل حاجة.
في يوم رجعت من الشغل لقيته قاعد مستنيني، قال ممكن نخرج نتكلم؟ قلت اتكلم. قال لا... برا. وافقت، روحنا قهوة هادية وقعدنا. فضل ساكت شوية وبعدين مد ظرف نحوي. قلت إيه ده؟ قال افتحيه. فتحته ولقيت عقد شقة، لكن المرة دي باسمي أنا. بصيتله باستغرب، قال دي أقل حاجة أقدر أعملها. قفلت العقد وقلت الموضوع مش شقة. قال عارف، بس بحاول أصلح. قلت الثقة مش بتتشترى بعقد. نزل رأسه وفهم قصدي.
رجعنا البيت من غير كلام، لكن بعد أسبوع حصل شيء غير متوقع أمي تعبت فجأة ودخلت المستشفى. جريت عليها وأحمد جه معايا، وقتها ماكانش فيه وقت للمشاكل وكل اللي كان يهمني إنها تقوم بالسلامة. وخلال الأيام دي شفت جانب من أحمد كنت نسيته كان بيبات في المستشفى، ويجيب الأدوية، ويتابع مع الدكاترة، ويطمن إخواتي من غير ما حد يطلب منه. ولما أمي خرجت قالتلي جوزك واقف جنبك. بصيت لها وما رديتش، لأن الحقيقة كانت أعقد من كده هو واقف جنبي دلوقتي، لكن في نفس الوقت هو الشخص اللي كسر ثقتي زمان.
بعد شهر تقريبًا طلبت أقعد مع سامي. قابلني وقال أخبارك إيه؟ قلت مش عارفة. قال لسه محتارة؟ هزيت رأسي. قال محدش يقدر ياخد القرار مكانك، بس اسألي نفسك سؤال لو الزمن رجع وكان قالك الحقيقة من الأول... كنتي هتكملي؟
سكت وفكرت، وفجأة اكتشفت حاجة المشكلة عمرها ما كانت في الاستثمار، ولا في العقارات، ولا حتى في الفلوس، المشكلة كانت في الكذب. لو كان قالي من أول يوم كنا هنختلف، ونتناقش، ويمكن نرفض، ويمكن نوافق.. لكن على الأقل كنت هبقى شريكة مش مجرد شخص بيدفع الفاتورة.
رجعت البيت الليلة دي، وأول مرة من شهور طلبت من أحمد نتكلم. قعد قدامي وواضح عليه التوتر. قلت أنا وصلت لقرار. وشه شحب وقال إيه هو؟ بصيتله مباشرة وقلت قبل القرار... عايزة أعرف حاجة واحدة هل دي كل الحقيقة فعلًا؟ سكت ثواني وبعدين قال أيوة.
لكن نبرة صوته خلت قلبي ينقبض لأنها كانت نفس النبرة اللي كان بيستخدمها زمان وهو بيخبي أسرار. وفي اللحظة دي بالذات رن جرس الباب. قام يفتح وبعد دقيقة رجع وشه متغير وفي إيده ظرف بريدي كبير. أول ما شاف المرسل المكتوب عليه، عرفت إن فيه سر أخير.. سر حتى أحمد نفسه ماكانش مستعد يواجهه.
فضل أحمد واقف في مكانه وهو ماسك الظرف، ولأول مرة من يوم ما عرفته شفته مرتبك بالشكل ده، مش ارتباك شخص اتكشف، لا.. ارتباك شخص خاف من اللي جاي. بصيتله وقلت مش هتفتحه؟ اتردد، وبعدين قعد على الكرسي قدامي وفتح الظرف ببطء. طلع منه مجموعة أوراق، فضل يقلب فيها ومع كل ورقة كان وشه بيتغير أكتر، لحد ما حط الأوراق على الترابيزة وسند راسه بإيده.
قلت بحدة في إيه؟ رفع عينه ناحيتي وقال دي مشكلة قديمة. ضحكت بمرارة واضح إن عندك هواية تخبي الحاجات القديمة. سكت شوية وبعدين سلمني أول ورقة.
بدأت أقرأ وكانت المفاجأة الأوراق خاصة بشركة قديمة جدًا، شركة كان أحمد داخل فيها مع مجموعة شركاء قبل جوازنا بفترة قصيرة. المشروع وقتها فشل وأحمد كان فاكر إن كل حاجة انتهت، لكن اتضح إن فيه نزاع قانوني قديم بين الشركاء والنزاع اتحسم أخيرًا بعد سنين طويلة، وكان فيه مستحقات مالية ضخمة متجمعة.. مبالغ أكبر بكتير من كل اللي شفته في العقود.
رفعت عيني وقلت وده مضايقك؟ قال لأ... المشكلة إن فيه التزامات كمان. قعدنا ساعات نراجع الأوراق وفي النهاية فهمت الصورة كان فيه فلوس كبيرة داخلة لكن كمان كان فيه حقوق لأشخاص تانيين ومحاسبات قديمة لازم تتقفل.
في اللحظة دي أدركت حاجة مهمة طول السنين اللي فاتت أنا كنت شايفة أحمد شخص أناني وهو فعلًا ارتكب غلط كبير، لكن في نفس الوقت كان عايش طول عمره بخوف مرضي من الخسارة. الخوف ده خلاه يجري ورا الأمان لدرجة إنه ضيع أهم حاجة الثقة.
بعد يومين طلبت منه نقعد. قعد قدامي وملامحه مرهقة، واضح إنه هو كمان بقاله شهور ما بينامش مرتاح. قلت أنا فكرت كتير. ما اتكلمش واستنى. قلت أنا مش قادرة أنسى اللي حصل. نزل عينه، لكن كملت وفي نفس الوقت... مش قادرة أتجاهل كل حاجة عدت بينا. رفع رأسه وبصلي. أول مرة من شهور كان بيسمع من غير ما يدافع عن نفسه ولا يبرر.
قلت الثقة اتكسرت ودي حقيقة، لكن السؤال دلوقتي... هل ممكن تتبني من جديد؟ سكت وبعدين قال أنا مستعد أعمل أي حاجة. قلت أي حاجة دي سهلة في الكلام، أنا محتاجة أفعال.
ومن اليوم ده بدأت مرحلة جديدة، مش رومانسية ومش مثالية ومش زي الأفلام، كانت مرحلة صعبة جدًا. اتفقنا على حاجات واضحة كل حساباتنا تبقى معلومة للطرفين، كل استثمار يبقى معروف، كل قرار مالي كبير يتاخد مع بعض، ومافيش أسرار أيًا كانت.
في البداية كان الموضوع غريب علينا لأننا اتعودنا سنين على أسلوب معين، لكن مع الوقت بدأت أحس إنه بيتغير فعلًا مش بالكلام.. بالتصرفات. أول مرة في حياتنا قعدنا نحط خطة مالية مع بعض، أول مرة أعرف بالضبط إحنا معانا إيه وعلينا إيه، وأول مرة أحس إني شريكة حقيقية.
بعد ست شهور جتني فرصة عمل كبيرة جدًا في شركة تانية، مرتب أعلى بكتير لكن شغل أكتر. زمان كنت هاخدها فورًا وأجري وأشيل فوق كتافي حمل جديد، لكن المرة دي أحمد قال حاجة عمره ما قالها قبل كده لو الشغل هيأذي صحتك... ارفضي. بصيتله باستغراب، قال مش لازم تفضلي شايلة الدنيا كلها. الجملة كانت متأخرة ثمان سنين لكنها وصلت. وبعد تفكير طويل اخترت فرصة تانية أقل ضغطًا، وأول مرة أحط نفسي في الحسابات مش الفلوس بس.
السنة اللي بعدها اشترينا بيت جديد، لكن المرة دي العقد كان باسمنا إحنا الاتنين، وأنا اللي وقعت جنبه وأنا عارفة كل التفاصيل. وأثناء التوقيع افتكرت نفسي من سنين وأنا راجعة من الشغل تعبانة وأحسب الفواتير وأصدق الوعود، واستوعبت قد إيه كنت مختلفة وقد إيه اتعلمت.
لأن الحقيقة اللي اكتشفتها ما كانتش عن أحمد بس، كانت عني أنا كمان. اتعلمت إن الحب مهم لكن الثقة أهم، وإن التضحية جميلة لكن لازم يكون لها حدود، وإن الشراكة الحقيقية مش إن شخص يشيل عن التاني كل حاجة ولا إن شخص يقرر لوحده بحجة إنه عارف مصلحتهم.. الشراكة الحقيقية إن الاتنين يعرفوا الحقيقة حتى لو كانت صعبة.
في ليلة هادية بعد سنين من الأزمة كنا قاعدين في البلكونة، وأحمد قال فجأة عارفة أكتر حاجة ندمان عليها؟ قلت إيه؟ قال إني كنت فاكر إني ببني مستقبل... سكت شوية وبعدين كمل ...وماخدتش بالي إني بهد الحاضر.
بصيت قدامي وما رديتش فورًا، لأن الجملة دي لخصت كل حاجة ثمان سنين كاملة كان بيبني عقارات وأراضي واستثمارات وحسابات، لكنه نسي يبني أهم حاجة بينهم الثقة. ولما اكتشف ده كان خسر جزء كبير منها
فعلًا.
لكن على الأقل قبل ما يضيع كل شيء قرر يواجه الحقيقة، وأنا كمان واجهتها، مش لأن الجرح اختفى، لكن لأننا أخيرًا بقينا واقفين قدامه من غير كذب، ومن غير أسرار، ومن غير ملفات مقفولة في أدراج بعيدة.
تمت القصة.