جوزي كان يخليني أشتغل وأصرف على البيت كله عشان هو بيأسس نفسه

لمحة نيوز

جوزي كان يخليني أشتغل وأصرف على البيت كله عشان هو بيأسس نفسه، وبعد 8 سنين عرفت هو كان بيأسس إيه بالضبط.
استحملي بس الفترة دي. قالها أحمد وهو بيطبطب على إيدي. لما أقف على رجلي هعوضك عن كل حاجة.
كنا لسه متجوزين بقالنا شهرين، وكنت بقبض مرتب كويس. أما هو، فكان كل يوم داخل مشروع جديد، وكل مشروع يخسر، وكل خسارة يبقى وراها حلم أكبر، وأمل جديد، وأعذار أكتر.
في الأول كنت مؤمنة بيه. أرجع من الشغل تعبانة، وأدفع الإيجار، والفواتير، والأكل، والمصاريف كلها. وهو يقولي أنا بجهز للمستقبل.
سنة ورا سنة، والوضع ما اتغيرش. بالعكس، أنا كنت بترقى، وأشتغل أكتر، وأتعب أكتر، وهو لسه بيأسس نفسه. أهلي كانوا بيقولولي خلي بالك، لكن كنت أدافع عنه وأقول بكرة ينجح.
لحد ما عدت 8 سنين كاملة. 8 سنين وأنا شايلة البيت، 8 سنين وهو يقولي نفس الجملة اصبري شوية. الغريب إنه رغم كل الشكاوى من الفلوس، كان دايمًا معاه موبايل جديد، وساعات غالية، وسفرات شغل غامضة، لكن كنت بصدق أي تفسير.
لحد اليوم اللي غير كل حاجة. كنت بدور على عقد التأمين بتاعي، ولقيت ملف قديم في درج مقفول، ملف ما شفتوش قبل كده. فتحته، وفي أول دقيقة حسيت إن قلبي وقف.
صور، وعقود، وإيصالات تحويل، وأوراق ملكية.. كلها راجعة لسنين طويلة، سنين كنت فاكرة فيها إننا بنعاني وأن أحمد بيبدأ من الصفر. لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا. كل جنيه كنت بصرفه على البيت كان بيوفره هو في مكان تاني، وكل مرة قال إنه مفلس كان بيشتري حاجة جديدة بعيد عن عيني.
لكن الصدمة الأكبر ما كانتش في الفلوس، ولا في العقارات، ولا في الحسابات البنكية. الصدمة كانت في اسم الشخص المكتوب كشريك أساسي في كل حاجة. اسم خلى الدم يتجمد في عروقي، لأن الشخص ده كان بيدخل بيتي كل أسبوع، ويقعد يشرب الشاي معايا، ويقول لي ربنا يعين أحمد ويوقفه على رجليه.
ساعتها فقط، فهمت هو كان بيأسس نفسه فعلًا، لكن ما كانش بيأسسها معايا. الاسم اللي كان مكتوب في كل ورقة خلاني أقعد مكاني مش قادرة أتحرك. إيدي كانت بتترعش وأنا بقلب في الملفات؛ مرة، واتنين، وتلاتة.. يمكن أكون فهمت غلط، يمكن فيه تشابه أسماء، يمكن أي حاجة.. لكن الحقيقة كانت أوضح من الشمس.
الاسم كان سامي، ابن خالة أحمد. الراجل اللي كان داخل خارج بيتنا، الراجل اللي كل ما يشوفني يقولي ربنا يكرمك يا هناء... والله انتي ست جدعة، واللي كان دايمًا يمثل دور القريب المخلص.
بصيت على أول عقد شقة متسجلة باسم أحمد وسامي من ست سنين. بصيت على العقد التاني محل تجاري من خمس سنين. التالت قطعة أرض صغيرة من أربع سنين. الرابع حساب استثماري ومبالغ داخلة وخارجة بعشرات الآلاف.
قعدت أقلب في الورق وأنا حاسة إن الدنيا بتلف بيا. ثمان سنين كاملة أنا بصرف على البيت وأحمد بيجمع فلوس، مش بس بيجمعها، ده كان بيبني حياة كاملة بعيد عني.
دخل عليا فجأة وقال بتعملي إيه؟ قفلت الملف بسرعة وبصيتله. أول مرة أشوفه وأحس إنه غريب، كأنه شخص معرفوش. قال وهو بيقرب مالك؟ وشك مخطوف كده ليه؟ قلت بهدوء بدور على ورق التأمين. ابتسم وقال لقيتيه؟ قلت لسه.
خرج من الأوضة، وأول ما الباب اتقفل دموعي نزلت، لكن ما كانش وقت عياط، كان وقت أفهم. قضيت الليلة كلها أصور الأوراق بالموبايل ورجعت كل حاجة مكانها. الصبح نزلت الشغل لكن ما اشتغلتش، كنت قاعدة قدام الكمبيوتر وبفكر ليه؟ ليه يعمل كده؟ ولو بيستثمر فلوسه، يبقى فلوسه جات منين أصلًا وهو ماكانش بيشتغل بشكل ثابت؟ إزاي اشترى عقارات وأراضي؟
السؤال ده فضل ياكل في دماغي لحد ما قررت أروح لسامي بعد الشغل مباشرة. خبطت عليه، فتح الباب مبتسم أهلا يا هناء. قلت ممكن أكلمك شوية؟ دخلني وقعدنا. لاحظ توتري وقال فيه حاجة؟ بصيت في عينه وقلت أنا شفت العقود.
الابتسامة اختفت تمامًا. سكت ثانيتين، تلاتة، خمسة.. بعدها قال أحمد عرف؟ قلت لا. اتنهد وسند ضهره على الكرسي وقال كنت متأكد إن اليوم ده هييجي. قلبي دق بسرعة وقلت احكي.
بصلي شوية وقال انتي متعرفيش نص الحقيقة. ولأول مرة بدأت الصورة تتكشف. حكى إن أحمد من أول سنة جواز كان عنده مبلغ كبير ورثه عن جده، مش ثروة ضخمة لكن مبلغ يكفي يبدأ بيه أكتر من مشروع. وأحمد وقتها خاف يصرف الفلوس وخاف يخسرها، فقرر يعمل حاجة غريبة يخليكي انتي اللي شايلة كل حاجة وهو يستثمر فلوسه كاملة من غير ما يلمس جنيه منها.
قلت وأنا مش مصدقة ثمان سنين؟ قال أيوة. قلت وكان سايبني أتعب؟ سكت، عرف إنه ما عندهوش إجابة.
رجعت البيت يومها وأنا مش شايفة قدامي. دخل أحمد بعد ساعة وكان فرحان وبيتكلم عن مشروع جديد. ضحكت أول مرة بالشكل ده، ضحكة وجع. بصلي باستغراب فيه إيه؟ قلت مفيش. لكني كنت عارفة إن المواجهة قربت جداً.
مر أسبوع كامل، أسبوع وأنا بجمع معلومات وأكتشف حاجات أكتر وأكتر وأكتر، كل يوم صدمة جديدة شقة مؤجرة، محل بيجيب دخل شهري، أرض سعرها تضاعف، حسابات استثمار، شهادات، مدخرات.. وأنا؟ كنت بدفع قسط الغسالة، وأحسب ثمن كيلو اللحمة، وأوفر في هدومي، وأأجل علاجي لما أتعب.
وفي ليلة كنت قاعدة أحسب، اكتشفت حاجة خلتني أتجمد أنا خلال ثمان سنين صرفت على البيت تقريبًا كل مرتبي، بينما أحمد جمع ثروة محترمة، ثروة اتبنت فوق تعبي، فوق ساعات شغلي، فوق تنازلاتي، فوق أحلامي اللي أجلتها. وقتها بس اتخذت قرار مش هواجهه لسه، لازم أعرف كل الحقيقة الأول.
وفي الأسبوع اللي بعده الحقيقة جت لحد عندي بنفسها. كنت راجعة من الشغل بدري، دخلت البيت ولقيت أحمد بيتكلم في التليفون وماخدش باله إني دخلت. سمعته بيقول لسه شوية كمان. سكت وبعدين قال ما تقلقيش... أول ما المشروع يخلص هننقل.
وقفت مكاني. هننقل؟ مين؟ وأين؟ وكمل أنا وعدتك. بعدها قفل المكالمة، ولَف وشافني. اتفاجئ وقال رجعتي بدري؟ بصيتله وقلت بهدوء مخيف كنت بتكلم مين؟ ارتبك لأول مرة من سنين، وقال عميل. قلت أكيد؟ قال بسرعة طبعًا.
لكن عينيه كانت بتقول حاجة تانية. ولأول مرة بدأ الشك يدخل منطقة أخطر من الفلوس، لأن السؤال اللي ظهر في دماغي وقتها إذا كان أحمد قدر يخدعني في الفلوس ثمان سنين.. فهل فيه حاجات تانية كان مخبيها برضه؟
من اللحظة اللي سمعت فيها المكالمة، بقيت حاسة إن فيه قطعة ناقصة في الصورة. الفلوس لوحدها كانت كفاية تهد أي ثقة بينا، لكن طريقة كلام أحمد في التليفون خلتني أفكر إن الموضوع أكبر. قضيت الليلة كلها سرحانة وأحمد قاعد قدامي بيتفرج على التلفزيون كأن مفيش حاجة، كان بيضحك على برنامج كوميدي وأنا ببصله ومستغربة إزاي إنسان يقدر يعيش سنين كاملة بشخصيتين؟ شخصية الزوج المكافح اللي مستني الفرصة، وشخصية تانية خالص أنا معرفهاش.
تاني يوم نزلت الشغل، وفي الاستراحة كلمت سامي وقلتله محتاجاك في موضوع مهم، قابلني بعد الشغل.

تم نسخ الرابط