وجه لامرأة أخرى
أخيرًا، سقطت آخر طبقة من الشاش على الأرضية.
تنفست بجمود، ونظرت حول الحمام أبحث عن أي شيء يمكن أن يظهر لي وجهي الجديد. لم تكن هناك مرايا، لكنني لاحظت إبريق الشاي المعدني الصغير المتروك على الرف. أخذته ببرود تام، ورفعته أمام وجهي، مستغلة ضوء المصباح الخافت.
على السطح المعدني المقعر، ظهرت ملامحي... لم تكن ملامحي إطلاقًا.
الأنف لم يكن مجرد تعديل بسيط للحدبة التي طالما ضايقتني في صغري؛ بل كان أنفًا مختلفًا تمامًا، رفيعًا وحادًا. الوجنتان تم رفعهما وتحديدهما، وحتى شكل الذقن تم نحته ليكون أكثر بروزًا. لقد كانت الملامح المنعكسة أمامي هي نفسها ملامح المرأة صاحبة الصورة في حقيبة دانيال!
لقد مسح هويتي بالكامل. أزال كل أثر للفتاة التي كانت تتعرض للتنمر في المدرسة، لكنه لم يعطني حريتي، بل سلبني وجهي وجسدي ليعيد إحياء شبح من ماضيه المظلم!
سقط الإبريق من يدي ليرتطم بالتقاطعات البلاطية بصوت مدوٍّ أحدث صدى خائفًا في أرجاء المنزل.
في اللحظة نفسها، سمعت خطوات سريعة ومرتبكة تقترب من باب الحمام. امتدت يد تحاول فتح المقبض بعنف، لكن المفتاح منعها.
ارتفع صوت دانيال من خلف الباب، لم يكن الصوت الهادئ الحنون الذي عرفته طوال سنوات زواجنا، بل كان صوتًا مشحونًا بهوس جنوني وهستيريا مكتومة: "فتحي الباب يا حبيبتي... فتحي! ما كانش ينفع تشوفي نفسك دلوقتي... قلتلك مش دلوقتي!"
تراجعت إلى الخلف حتى التصق ظهري بالجدار البارد، وعيناي معلقتان بالمقبض الذي يتحرك بجنون.
صرخت بصوت ملأه الذهول والخوف: "أنت عملت فيا إيه يا دانيال؟! ده مش وشي! دي مش أنا!"
سكت لثوانٍ معدودة، ثم جاء صوته من خلف الباب متزنًا بشكل مرعب، محملًا بهدوء يخفي خلفه هاوية من الجنون: "أنتِ دلوقتي أجمل بكتير... أنتِ بقيتي هي. المظهر القديم اللي كان بيسببلك الألم مات للابد. أنا أنقذتك من ذكرياتك البشعة، وخليتك الشخص الوحيد اللي كان لازم تكونيه من الأول."
بدأ يضرب الباب بكل قوته، بينما كنت ألتفت حولي في الحمام الضيق أبحث عن أي وسيلة للهرب. كانت هناك نافذة صغيرة للتهوية في أعلى الجدار تُطل على المنور الخلفي للعمارة. ضغطت على أسناي برغم الألم النابض في وجهي، وتسلقت فوق الحوض بجهد جهيد.
بينما كان الخشب يتشقق تحت ضربات دانيال القوية، استطعت فتح النافذة الصغيرة وحشرت نفسي عبرها بالتدريج، غير أبهة بالخدوش أو الخيوط الجراحية التي تكاد تتمزق. ألقيت بنفسي إلى سلم الطوارئ الخارجي المقارب للنافذة، وسقطت على السلالم الحديدية بقوة، لكن الخوف مدني بطاقة لا توصف.
قمت مسرعة، والريح الباردة تضرب وجهي المكشوف والمليء بالضمادات المتمزقة، وركضت إلى الأسفل بكل ما أوتيت من قوة، بينما كان صوت دانيال يتردد من الأعلى ينادي باسم لم يكن اسمي إطلاقًا.
خرجت إلى الشارع المظلم في منتصف الليل، وجسدي يرتجف ووجهي الجديد ينبض بالألم. كنت أركض بين الطرقات الخالية، لا أعرف إلى أين أذهب، ولا كيف سأواجه العالم بملامح امرأة لا أعرفها، امرأة استُخدمت لقتلي وإعادة بعثي في هيئة كابوس حي.
لكن شيئًا واحدًا كان مؤكدًا وسط هذا الضباب والذعر: لم أعد تلك الفتاة الضعيفة التي تختبئ من الشائعات وانعكاسات الزجاج، بل أصبحت امرأة نجت من أقسى أنواع السلب والهوس، وسأفعل كل ما يلزم لأستعيد حياتي، حتى لو كان عليّ أن أعيش بملامح غريبة طوال العمر.