وجه لامرأة أخرى
صمت دانيال للحظات بدا فيها وكأن الزمن توقف، كانت أنفاسه متسارعة، وعيناه تنقلتا بين وجهي الملفوف بالشاش وجدران البيت الخاوية من أي أثر للمرايا. بلع ريقه بصعوبة، ثم امتدت يده لتمسك بكتفي بضغط خفيف ومضطرب، وقال بنبرة خافتة تكاد تكون همسًا: "أثناء العملية... جراح التجميل اكتشف إن انسجة وشك أتأثرت بشكل غير متوقع. لما بدأ يشتغل، حصل تهيج شديد وتورم مضاعف، والدكتور قالي بالنص إن أي صدمة نفسية تشوفيها دلوقتي ممكن تخليكي تدخلي في حالة انهيار تأثر على شفاء الجروح. عشان كده طلب مني أخفي كل المرايا في البيت لحد ما اللفات تتشال والتورم يقل خالص."
في تلك اللحظة، رغبت في أن أصدقه. كان كلامه يبدو منطقيًا للوهلة الأولى، وخوفه عليّ كان يملأ عينيه، لكن شيئًا ما في عمق صدري كان يصرخ بأن هناك حلقة مفقودة. النبرة التي تحدث بها لم تكن مجرد خوف زوج على زوجته المصابة، بل كانت نبرة رجل يحاول إخفاء سر جليل، سر يتوارى خلف قناع من الحرص والحنان المفرط.
مرت الأيام الأولى بطيئة وكئيبة. كان دانيال يحيطني باهتمام غير عادي، يعتني ببي، يحضر لي الطعام، ويحرص على أن أتناول أدويتي في مواعيدها بدقة متناهية. لكن هذا الاهتمام كان يخفي خلفه رقابة صارمة؛ فقد لاحظت أنه أخذ هاتفي بحجة أن الإشعاعات والضوء يجهدان عيني في هذه الفترة الحساسة، ولم يكن يتركني بمفردي إلا لدقائق معدودة، وحتى حين كان يخرج لشراء المستلزمات، كان يغلق باب الشقة بالمفتاح من الخارج.
بدأ الشك يتسلل إلى قلبي كسم بطيء. لماذا يصر على إبقائي في الظلام؟ وإذا كان الأمر مجرد تورم وإحمرار طبيعيين بعد أي عملية تجميل، فلماذا كل هذا الحرص الشديد على منع أي سطح عاكس؟
في الليلة الخامسة، بعد أن تأكدت من استغراقه في نوم عميق بفعل التعب، تسللت من الفراش بحذر شديد. كانت أنفاسي تتصاعد بخوف، وأقدامي الحافية تتحرك بلا صوت على أرضية الطرقة الباردة. لم تكن هناك أي مرايا، لكنني تذكرت أن المطبخ يحتوي على أدوات معدنية وشاشة الميكروويف السوداء التي قد تعكس ظلي على الأقل.
توجهت نحو المطبخ بخطوات مرتجفة. أضاءت الشارع الخافتة المتسللة من النافذة كانت كافية لتلقي بظلال طويلة على الجدران. اقتربت من شاشة الميكروويف المصنوعة من الزجاج الأسود المصقول، وحاولت التدقيق في انعكاسي. لم تكن الصورة واضحة تمامًا، لكن الشاش الأبيض الملفوف حول رأسي كان يبدو ضخمًا ومريبًا، وكأن شكل جمجمتي وهيئتي الخارجية قد تغيرت بالكامل، وليس مجرد تغيير بسيط في أنفي.
بينما كنت واقفة هناك، وقعت عيناي على حقيبة دانيال الخاصة بالعمل، كانت ملقاة على الطاولة القريبة. شيء ما داخلي دفعني لفتحها. كانت أصابعي ترتجف وأنا أفتش بين أوراقها، حتى عثرت على أظرف طبية تحمل شعار المستشفى نفسه الذي أجريت فيه العملية.
فتحت الظرف الأول بكثير من التوجس. لم تكن التقرير الطبي العادي للعملية، بل كانت هناك صور شعاعية وملفات مطبوعة تتضمن مبالغ مالية ضخمة جدًا جرى تحويلها لحساب جراح التجميل قبل العملية بأسبوعين. مبالغ تتجاوز بكثير تكلفة عملية تجديد الأنف التي ادخرت لها طوال سنوات!
وما صدم روعي وأطاح بثباتي، هو وجود صورة فوتوغرافية قديمة لامرأة شديدة الجمال، ذات ملامح حادة وعينين ملوئهما الغموض، ومع الصورة ورقة رسم بياني لأبعاد الوجه وهيكله العظمي، مطابقة تمامًا لتخطيطات وجهي قبل الدخول لغرفة العمليات. وتحت الصورة كانت هناك عبارة مكتوبة بخط يد دانيال: "النسخة الأخيرة... الاستعادة الكاملة."
تجمّدت الدماء في عروقي. خفق قلبي بشدة حتى شعرت بأنه سيخترق أضلعي. السنين التي قضاها دانيال يخبرني فيها أنني جميلة كما أنا، وأنني لا أحتاج لأي تغيير، لم تكن سوى كذبة كبيرة! لم يكن يحبني لشخصي، بل كان يراني مجرد حجر خام، لوحة بيضاء تنتظر اللحظة المناسبة ليُعيد تشكيلها على هيئة تلك المرأة في الصورة!
تذكرت كلماته حين تقابلنا لأول مرة، وكيف كان يدقق في ملامحي باهتمام غريب، وكيف كان يفضل دائمًا زوايا معينة حين ينظر إليّ. لقد كان يبحث عن امرأة تشبه أوهامه، وعندما لم يجدها كاملة، قرر أن يصنعها بنفسه مستغلًا عقدتي القديمة من أنفي ورغبتي الدفينة في التغيير.
جمعت الأوراق بسرعة وأعدتها كما كانت، ثم أخذت نفسًا عميقًا وحاولت السيطرة على رعب المستولي على كياني. تحركت ببطء نحو الحمام، وأغلقت الباب بالمفتاح من الداخل بكل حرص.
وقفت أمام المساحة الخالية فوق الحوض حيث كانت المراية تثبت سابقًا. لم يعد بإمكاني الانتظار أسبوعًا آخر. كان يجب أن أعرف الحقيقة الآن، مهما كانت بشعة أو مرعبة.
رفعت يدي المرتجفتين إلى الشاش الملفوف حول رأسي ووجهي. بدأت أفك الأربطة طبقة تلو الأخرى. مع كل دورة للشاش، كان التوتر يرتفع في صدري إلى حد الاختناق. شعرت بالخيوط الجراحية المشدودة على طول عظام وجنتيّ، وليس فقط حول أنفي كما كان مفترضًا. الألم كان ينبض في كل إنش من وجهي.