كل يوم لحد، بعد ما جوزي مات، كنت بروح أزور تربته لوحدي لحد ما اخدت بالي من بنت صغيرة بتسيب ورد جنب الشاهد

لمحة نيوز

كل يوم لحد، بعد ما جوزي مات، كنت بروح أزور تربته لوحدي لحد ما اخدت بالي من بنت صغيرة بتسيب ورد جنب الشاهد. واليوم اللي سألتها فيه ليه بتيجي كل شوية، إجابتها غيرت كل حاجة كنت فاكراها عن الراجل اللي اتجوزته.
ملقيتش لليوم الحد طعم غير وسط طوب الترب. بعد ما جوزي دانيال مات، كنت بروح هناك تقريباً كل يوم حد، حتى في الشهور الأولى اللي كنت دوبك بقدر أطلع فيها من البيت. كنت بقعد جنب تربته وأحاول أتقبل إني خلاص مش همشي راجعة البيت معاه.
كنت فاكرة إن الحزن صفي دنيتي من أي مفاجآت.
وبعدين ابتديت أخد بالي من البنت.
شفتها لأول مرة جنب شجر القيقب، صغيرة وجادة، وماسكة ورد بلدي في الإتنين إيد. في الأول، افتكرت إنها بتيجي كل أسبوع عشان أيامي كانت بتدخل في بعضها. بعدين فهمت أنها بتيجي كل شهر.
كنت براقبها وهي بتحط الودع بحذر جنب صوورة دانيال. مسمعتهاش بتعيط خالص. ومسمعتش صوتها وهي بتتكلم.
قلت لنفسي يمكن تكون اتلخبطت في التربة وفاكرها بتاعت حد تاني.
وكلمت نفسي وقلت إن دانيال مكنش مخبي عني أي أسرار. وطنشت تحذير مرات أخويا كارولين القديم إن الحزن بيخلي الغرباء جراة.
كنت فاهمة جوازي، أو كنت فاكرة إني فاهمة. كنت عارفة طلب دانيال في القهوة، وكحته في الشتاء، وجواربه المفضلة، والطريقة اللي كان بيسيب بيها ورق الملاحظات على قايمة طلبات البيت. كنت عارفة الفواتير اللي بندفعها متأخر والأحلام اللي كنا بنأجلها سوا.
وفي يوم حد، جيت بدري عن الميعاد المعتاد.
شميت ريح العشب المبلل وشوفت البنت راكعة جنب تربة دانيال ومعاها ورد أصفر مربوط بحبل خيش. قربت قبل ما شجاعتي تهرب مني.
"بعد إذنك، كنت عايزة أسألك على حاجة،" قلت لها.
"كنت عارفة إنك ناوية تسألي في يوم من الأيام،" البنت همست.
"كنت عايزة أعرف لو كنتِ تعرفي جوزي."
"كنت أعرفه،" ردت.
"أنا كنت مرات دانيال، واسمي أميليا،" قلت لها.
"وأنا اسمي ليلي،" ردت.
"شفتك بتجيبي ورد لتربة جوزي،" ابتديت كلامي.
"جبته لأني كنت فكراه."
"كنت فاكرة يمكن جيتِ التربة الغلط،" اعترفت، وكنت أتمنى توافقني.
"كنت عارفة إن دي تربته،" قالت ليلي وهي باصة في عيني دغري.
"أنا... مش فاهمة إيه سبب جيتك هنا."
"جيت عشان ماما قالت إن كلمة شكرا لازم يكون ليها مكان."
"محتاجة أعرف دانيال عمل عشاتكم إيه."
ليلي بصت لصورة، وشفت صوابعها بتشد على سيقان الورد جامد.
"هو أنقذنا أنا وماما،" همست.
"قصدك إيه بـ 'أنقذنا'؟"
"مش عارفة لو مسموح لي..." صوت ليلي بقى واطي وصغير.
"أنا كنت مراته يا ليلي."
"ماما قالت إنه مكنش عايز حد يعرف خالص."
"عمره ما جاب سيرة حضرتك ولا سيرة متمامك قدامي،" اعترفت.
"هو قال لماما ما تذكرش اسمه خالص."
"كنت فاكرة إن أنا ودانيال بنشارك بعض في كل حاجة."
"ماما قالت إن فيه طيبة بتفضل هادية عشان الناس اللي بكرامة محتاجة تحافظ على عزتها،" ليلي وضحت بهدوء.
بصيت لها، وكنت مش قادرة أنطق بحرف.
"أنا مكنش قصدي أضايقك." ليلي وطت عينيها.
"أنا كنت عايزة الحقيقة وبس."
"لو لم يكن هو... كنا غالباً مش هنكون عايشين لحد دلوقتي."
فضلت باصة لها، وكنت مستنية كلامها يبמו أقل استحالة. وبعدين سمعت صوت خطوات بتبطيء على الزلط ورايا. لفيت وشوفت ست مستعجلة وجاية نحتنا، كأن سؤالي سحبها من مكان مخباها.
وقفت متسمرة أول ما الست وصلت لنا، وحست بهوا التربة بيتقطع على كتافي.
شفت ليلي بتجري عليها وتستخبى في بالطوها.
"ماما."
الست حطت إيد بتترعش على شعر ليلي، بس عينيها فضلت على صورة دانيال.
"جوزك كان راجل عظيم."
بصيت لها وأنا متلخبطة، ورجعت بصيت للبنت الصغيرة تاني.
"ممكن تفهموني بقا إيه المعنى وراء ده كله؟"
الست هزت راسها بالبطيء. "اسمي مارا."
"عرفتي دانيال منين؟"
"دانيال قابلنا في مستشفى سانت كاترين من أربع سنين."
شديت صوابعي على حزام الشنطة.
"هو كان بيعمل إيه هناك؟"
"كان بيطوع هناك يوم الخميس. وكان عندي سرطان. وعلي ديون مش قادرة أدفعها. وكان في شنطتي جوابات إنذار من صاحب الشقة وبنتي اللي كانت بتمثل أنها كلت وخلاص."
ليلي بصت تحت على الورد البلدي. "كنت جعانة كتير."
غصبت نفسي أبص لمارا.
"دانيال عمره ما جاب سيرتكم."
"هو طلب مننا ما نقولش لحد."
"لحد خالص؟"
"خصوصاً أنتِ."
حسيت الكلمة دي وقعت في صدري زي الحجر.
"ليه يقول كده؟"
"عشان أنا عيطت أول ما دفع ثمن الدواء بتاعي. وقلت له إني حاسّة بالخزي. قال إن المساعدة المفروض ما تخليش الناس تحس أنهم متراقبين."
هزيت راسي. "أنا ودانيال كنا بنتكلم في كل حاجة."
وش مارا اتعصر بالذنب. "كنت مصدقة ده. وكنت شايفة أنه بيحبك قوي."
"كنتِ شايفة كده؟"
"كان بيحكي عنك كل ما بيجي."
قربت خطوة من غير ما أقصد. "كان بيقول إيه؟"
"كان بيقول إن أميليا بتعمل قهوة وحشة بس بطريقة ما بتخليها طعمها زي البيت."
بعدت عيني عشان دي كانت حقيقة، والحقيقة بتوجع أكتر من الشك.
ليلي رفعت الورد شوية لفوق. "وهو اشترى لي يونيفورم المدرسة كمان. الأزرق اللي بزراير فضة."
بصيت لها بصدمة. "اشتراكي يونيفورم؟"
"أيوه."
مارا بلعت ريقها.
"وهو اشترى أكل للبيت. ودفع مصاريف التوصيل للعلاج. ولما ضاعت شقتنا، ساعدني ألاقي واحدة تانية. شال الكراتين فوق تلات أدوار سلوم وكأنه محصلش حاجة."
سمعت صوتي بيطلع رفيع. "احنا كنا بنصلح حوض المطبخ بنفسنا عشان مكنش عايزين نطلب سباك."
مارا نزلت عينيها. "هو قلي لي إنكم بتعدوا كل قرش."
"اومال يصرف فلوس على ناس غربا ليه؟"
ليلي ردت قبل ما مارا تتكلم. "احنا مكنش غربا بالنسبة له."
مكنش عندي رد على ده.
مارا طلعت ظرف صغير من جيب بالطوها.
"جبت ده معايا لأني كنت حاسة إني ممكن أشوفك في يوم."
"إيه ده؟"
"إيصال من الصيدلية وورقة ملاحظة واحدة كتبها لما جحرت أرد له الفلوس."
مأخدتوش منها.
"اقرئيه," قلت لها.
مارا فردت الورقة.
"مارا، استخدمي الفلوس عشان جزمة ليلي. ولو لازمن تشكري حد، اشكري أميليا. هي اللي علمتني إن البيت معناه أنك تعمل مكان للناس اللي محتاجين بيت."
حطت إيد على حجر دانيال. "كتب اسمي؟"
"كتير."
"اومال ليه حاسة إني آخر واحدة عرفته؟"
عينية مارا اتملت دموع.
"أنا آسفة. كنت فاكرة إن إخفاء سره ده تكريم ليه."
وقبل ما أقدر أرد، تليفوني رن في جيبي.
شفت اسم كارولين على الشاشة وحسيت باب تاني بيبتدي يتفتح.
رديت. "كارولين."
"أميليا، كنتِ فين؟"
"في الترب."
"تاني؟ بطلي تعملي في نفسك كده."
بصيت لمارا وليلي. "دانيال جاب سيرة ست اسمها مارا قبل كده؟"
الصوت طول أكتر من اللازم.
"تعالي البيت،" قالت.
"كنتِ تعرفي؟" سألت.
"تعالي البيت قبل ما الغرباء يبدأوا يحكوا لك حكايات."
صوتها الحذر عرفني أنها سمعت واحدة على الأقل من الحكايات دي قبل كده.
لفيت رجعت لتربة دانيال، وعرفت إن حزني اتحول لسؤال مئدرش أهرب منه تاني.
تحذير كارولين مشي ورايا لحد البيت زي إيد محطوطة على كتافي. دخلت المطبخ ولقيتها مستنياني ومعاها صينية أكل، وملف حسابات دانيال القديم، ووشها المشدود اللي بتلبسه كل ما حزني بيبقى بيضايقها.
"كان المفروض تكلّميني،" قالت.
"بخصوص إيه؟"
"بخصوص الغرباء اللي بيقربوا منك عند الترب."
"سألت طفلة سؤال."
"الأطفال ليهم أمهات يا أميليا."
حطت مفاتيحي ببطء.
"مارا قالت إن دانيال ساعدهم لسنين."
كارولين قفلت الملف قبل ما أقدر أشوف جواه.
"أخويا كان كريم. كريم زيادة عن اللزوم."
"كنتِ تعرفي؟"
"كنت أعرف بالقدر الكافي."
حسيت بأول ضربة حقيقية. أنا كنت رايحة التربة أدور على جوزي، ولقيت شخص تاني عارف جزء منه أنا مكنتش أعرفه.
"كان مخبي عني قد إيه؟"
"قدر يكفي إن الحفر وراه هيوجعك انتي بس."
"دي مش إجابة."
"دي الإجابة الوحيدة اللي عندي."
مديت إيدي على الملف.
كارولين حطت كفها فوقه.
"سيبك منه."
"ليه؟"
"عشان الناس هتيجي ومعاها قصص. هيطلبوا فلوس. هيحولوا دانيال لحاجة يستغلوها."
"يستغلوها؟"
"أنتِ فاهمة قصدي."
"لا، ما أعتقدش إني فاهمة."
بقها انشد.
"قصدي إن الحزن بيخلي الأرامل صيد سهل للاستغلال."
سحبت الملف بعيد.
"جوزي مات يا كارولين. أنا ما فقدتش عقلي."
بصت لي ساعتها، مش بقسوة، بس بخوف.
"ممكن تفقدي دانيال اللي فاكراه."

تم نسخ الرابط