لعل مع الضرير حياة يملأها العبير

لمحة نيوز

تعلقت به بجنون، وتعلقت بروحه النقية. تزوجنا بعد شهرين فقط، وسط دهشة الجميع.
في بداية زواجنا، كان الخوف رفيقي الدائم. كنت مذعورة، ليس من كونه كفيفاً، بل من فكرة واحدة كانت تأكل عقلي وقلبي: "ماذا لو عاد البصر له يوماً؟ ماذا لو رآني بعينيه بعد كل هذا الحب؟ هل سأظل جميلة في نظره، أم أنه سيفر هارباً بحثاً عن الجميلات اللواتي اعتاد عليهن؟". كان هذا الهاجس كالشبح يطاردني، يفسد عليّ لحظات سعادتي، ويجعلني أتشكك في كل كلمة حب يقولها لي.
لكن، مع مرور الأيام، تبددت مخاوفي، وحل محلها يقين راسخ. لقد فاجأني زوجي بكل شيء. لم يشعرني يوماً بعجزه، بل كان هو السند والحماية. لقد تعلم الاعتماد على نفسه، بل وتجاوز ذلك ليصبح عيني في هذا العالم، يرى لي ما لا أراه، ويسمع لي ما لا أسمعه. لقد تغير تماماً، وأصبحت بصيرته أعمق وأصدق من بصر ألف مبصر.
أنجبنا أربعة أطفال، ملأوا حياتنا بالبهجة والشقاوة. كان زوجي أباً حنوناً، يقوم بكل واجباته كزوج وأب بلا تخاذل ولا كلل، بل بحب وتفانٍ لا مثيل لهما. أحببته لدرجة العبادة، وتمنيت لو يتوقف الزمن بنا عند هذه اللحظة.
ظل يجاهد لسنوات، ويجري العمليات الواحدة تلو الأخرى، ليزرع قرنية جديدة. وفي كل مرة، كانت العملية تفشل، ويتحطم الأمل، لكنه لم يستسلم أبداً. كان دائماً يقول: "الله له حكمة في التأجيل، وكل شيء بوقته جميل".
ومرت عشرة أعوام، وكأنها حلم جميل مرّ كلمح البصر. عشرة أعوام من الحب، والاستقرار، والأمان.
وفجأة، في يوم عادي، تم التجهيز للعملية من جديد. كان الأمل هذه المرة ضعيفاً، لكنه موجود. وبعد أيام من الانتظار القاتل، نجحت العملية! وأخبرني الطبيب أنه أصبح يرى، وأنه يستطيع الآن أن يفتح عينيه على العالم.
كانت لحظة انتصار وفرحة عارمة، لكنها، بالنسبة لي، كانت لحظة رعب حقيقي.
انزويت في زاوية مظلمة من الغرفة، خلف الجميع. وضعت أطفالنا أمامي، كدروع بشرية، ولم أتجرأ على الاقتراب منه. ظل يقبل الصغار واحداً تلو الآخر، ثم أمه وأباه، بدموع الفرحة التي لا تتوقف، وهو ينظر إليهم بعينين مفتوحتين لأول مرة منذ سنوات.
وبعدها، بدأ يتجول بعينيه في أنحاء الغرفة، يبحث عني، عن شريكة روحه التي رآها بقلبه طوال هذه السنين.
وعندما وقعت عيناه عليّ، تجمدت في مكاني. اقترب مني ببطء، وقلبي يكاد يخرج من ضلوعي. لم أكن جميلة، ولا حتى متوسطة الجمال، كنت حورية العادية التي تعرفونها.
ابتسم، تلك الابتسامة التي أعرفها جيداً، وقال بصوت مرتجف من العاطفة: "عروسي الجميلة... أخيراً، أخيراً رأيتك".
جرت الدموع من عيني، ليس خوفاً، بل من شدة الفرحة والراحة التي غمرتني. فقال بصوته الحنون: "اقتربي، أريد أن أراكِ جيداً، أن أحفظ ملامحك في قلبي كما حفظت روحك".
كانت قدماي لا تحملانني من هول المفاجأة، مشيت بصعوبة نحوه. وعندما اقتربت، ضحك وقال كلمات لم أكن أتوقعها أبداً: "أنتِ... أنتِ أجمل بكثير مما تخيلت! لقد رأيتك بروحي، والآن، أراكِ بعيني، فأجد أن الجمال كله يتجسد فيكِ، في طيبتك، في حبك، في كل تفصيلة منكِ".
وقبل يداي أمام الجميع، في لفتة حب واحترام، حطمت كل شيطان كان يأكل رأسي. لقد أدركت أن حبنا كان حقيقياً، أعمق من أن يمسه الجمال الخارجي أو يزول بزواله.
توفي والداي في حادث مروع بعد ذلك، وانطويت على نفسي من الحزن الشديد، فأخذ هو مكان أبي وأمي في غمضة عين، واعتبرني ابنته التي لم ينجبها، وغمرني بحنانه ورعايته بشكل فاق كل تصور.
ومرت سنوات طويلة، ولم يتغير قيد أنملة. بل زاد حبه ودلاله لي، وأنا أيضاً، فبالرغم من وجود الجميلات حوله في العمل والعائلة، إلا أنه لم ينظر لإحداهن يوماً. لقد كان يرى الجمال الحقيقي، الجمال الذي ينبع من القلب والروح.
وفي تلك اللحظات الهادئة، حين أتأمل حياتي معه، أدرك فيها حكمة الله فيما فقد. فلولا أنه فقد بصره في ذلك الحادث، لم يكن ليراني أبداً، ولم يكن ليغوص في أعماقي ليكتشف حورية التي أحبها بصدق. وفعلاً، صدقت جدتي حين قالت: "لعل مع الضرير حياة يملأها العبير". لقد كانت حياتي معه عبقاً من الحب الصادق الذي لا ينتهي.
 

تم نسخ الرابط