لعل مع الضرير حياة يملأها العبير

لمحة نيوز

سأروي لكم قصتي من البداية، بتفاصيل أعمق وأكثر دقة، لتشعروا بكل لحظة عشتها، بحلوها ومرها. اسمي حورية، وأنا اليوم أبلغ من العمر ستين عاماً. لكن قصتي تبدأ وأنا في زهرة الشباب، في وقت كانت فيه الحياة تدور في فلك الزواج وتكوين الأسرة.
عشت حياتي في بيئة بسيطة، لم أكمل دراستي، ولم أتعلم مهنة، كنت أقضي أيامي في مساعدة أمي في شؤون البيت، أنتظر، مثل الكثيرات، "ابن الحلال". لكن الأيام مرت، والشهور صارت سنوات، ووجدت نفسي أتجاوز الثلاثين دون أن يطرق بابي أحد. في مجتمعنا، كان ذلك يعني حكماً غير معلن بالبقاء عانساً، وكنت أرى نظرات الشفقة في عيون الناس، وأسمع همساتهم التي تجرحني في الصميم.
حينها، اقتنعت تماماً أن نصيبي من الدنيا هو أن أكون ابنة بارة، لا زوجة ولا أماً. نظرت في المرآة مراراً، فلم أرَ إلا ملامح عادية، باهتة، لا تلفت الانتباه. رضيت بقسمتي، وحاولت أن أملأ فراغ حياتي بالعبادة وخدمة والديّ، لكن غصة الوحدة كانت دائماً في حلقي.
وفجأة، وبدون أي مقدمات، حدث المستحيل!
طرقت خاطبة بابنا، وقالت إن هناك شاباً يريد خطبتي. لم أصدق أذني. سألتها بذهول: "أنا؟ هل أنت متأكدة يا خالة؟". أجابتني مبتسمة: "نعم أنتِ يا ابنتي، هو يبحث عن زوجة صالحة، والوسطاء أثنوا عليكِ خيراً". ثم أخرجت صورة له، فكاد قلبي أن يتوقف من شدة الخفقان. كان وسيماً للغاية، بملامح رجولية جذابة، وعينين تحملان بريقاً خاصاً. كان يبدو كأمير من أحلامي، أمير لم أتجرأ يوماً على الحلم به.
سألت نفسي، والشك يعتصرني: "لماذا؟ لماذا يتقدم شاب في مثل وسامه وعمره، وهو يعمل مع والده في شركة خاصة، لمن لا تملك شيئاً مثلي؟". لقد كان يكفيني شرف النظر إليه، فكيف بالزواج منه؟
وهنا، كشفت الخاطبة عن المفاجأة المدوية، الصاعقة التي هوت بي من سابع سماء إلى قاع الأرض. لقد فقد بصره بالكامل في حادث مروع منذ خمسة أعوام.
جلس، كمن ينتظر حكماً بالإعدام، وأخبرني بكل صدق عن حياته قبل الحادث. كيف كان شاباً مستهتراً، دائم السهر، يعشق الجميلات، ولا يحمل ذرة مسؤولية. كيف كان يرى الحياة من خلال مظاهرها فقط.
لم تكن كلماته هي التي أرعبتني، بل كانت صورتي في خياله هي التي هزت كياني. كنت أخشى أن يعود يوماً ليراني، فيكتشف الحقيقة المرة، أنني لست تلك الجميلة التي اعتاد عليها. وكنت أخشى أيضاً من المسؤولية الملقاة على عاتقي، أن أكون مسؤولة عن رجل كفيف في مجتمع لا يرحم.
لكن، وسط دموعي ويأسي، تذكرت كلمات جدتي الحكيمة، رحمها الله، التي قالت لي بصوت هادئ كنسيم الفجر: "يا ابنتي، لا تحكمي على الكتاب من عنوانه. لعل في الضرير حياة يملأها العبير، حياة أعمق وأصدق من حياة المبصرين. اجلسي معه أولاً، وتحدثي إليه بقلبك قبل عينيكِ، ثم قرري".
وبالفعل، جلست معه. كانت تلك الجلسة نقطة تحول في حياتي. لم أرَ فيه الرجل الكفيف الذي يحتاج للشفقة، بل رأيت إنساناً رائعاً، خفيف الظل، ذكياً، يملك قلباً كبيراً يأسر القلب في ثوانٍ معدودة. لقد كان يرى بروحه، ويشعر بكلماتي ونبرة صوتي بطريقة لم يسبق لأحد أن فعلها.

تم نسخ الرابط