بعد ما العملية اللي عملتها خلتني طريحة الفراش جوزي تجاهلني
"الواد ده"، قالت جارتي في الآخر. "وأمه اللي زيه".
مسحت وشي بتعب: "الموضوع معقد".
"لا"، قالت بحِدّة. "في الحقيقة، مش معقد خالص".
وقفت وعدلت نفسها ببطء وهي ماسكة عصاتها. "أنا هصلح الموضوع ده".
هزيت راسي بضعف: "مش لازم—"
"لا، لازم"، قاطعتني. "بس الأول لازم أجيب حاجة من شقتي".
وقبل ما أسالها قصدها إيه، كانت مشيت.
بعد تلاتين دقيقة، طنط سميحة رجعت. في الوقت ده كان علي رجع البيت، وممدد على الكنبة بيتفرج على التلفزيون.
"مين ده؟ دي أمي؟" قالها من غير ما يرفع عينه لما جارتنا دخلت من غير ما تخبط. بدل ما ترد، طنط سميحة دخلت الشقة وقفلت الباب وراها، وطلعت ملف سميك من ورا ضهرها في اللحظة اللي علي رفع عينه وشافها.
في اللحظة اللي شاف هي ماسكة إيه، كل اللون هرب من وشه، والريموت وقع من إيده! ولأول مرة من يوم عمليتي، جوزي حس بالخوف!
طنط سميحة مدت الملف لي وشرحت إنه اتوصل بالخطأ لشقتها، وإنه موجه لجوزي. ولما فتحته، لقيت إعلانات لشقق سكنية وتقديرات لشركة نقل عفش باسم علي. زادت حيرتي كل ما بصيت أكتر، وبعدين لاحظت التواريخ.. معظمها كان من قبل عمليتي!
قلبي وقع في بطني: "كنت بتخطط تسيبني؟" همست بيها.
علي بان زي اللي اتقفط: "الموضوع مش زي ما إنتي فاهمة!".
الباب اتفتح قبل ما أقدر أرد، ونادية دخلت وهي شايلة أكياس أكل جاهز. في اللحظة اللي شافت فيها الملف المفتوح على الترابيزة، تعبيرات وشها اتغيرت تماماً.
"فيه إيه؟"
"توقيت ممتاز"، قالت طنط سميحة ببرود.
علي وقف بسرعة: "يا أمي، سيبي الموضوع ده".
"لا"، قاطعتهم أنا. الكل بص عليّا، وقلبي كان بيدق بعنف جوه ضلوعي. "أنا عايزة الحقيقة".
حماتي حطت إيدها في إيدها وقالت: "يا ملك، إنتي أكتئبتي دلوقتي". أهوه تاني، نفس النبرة اللي بتستخدمها كل ما تحسسني إني ضعيفة. بس المرة دي أنا متراجعتش.
"أنا عايزة الحقيقة لأني اتبرعت لابنك بكليتي، ودلوقتي عايشة كإني عبء في بيتي".
وش نادية نشف: "إنتي كنتِ صعبة المراس من بعد العملية".
بصيت لها بعدم تصديق! صعبة المراس؟ عشان كنت محتاجة مساعدة في الأكل وكنت عايزة أروح جلسات العلاج الطبيعي اللي جوزي ألغاها في السر؟
طنط سميحة بصت بقرف: "هي بتتعافى من عملية كبيرة".
"وابني كمان"، ردت حماتي بحِدّة.
"ده مش حقيقي"، قلت.
الكل سكت، وبصيت لعلي مباشرة: "أنت خفيت ورجعت تعيش حياتك، بينما أنا لسه محتاجة إيدي الاثنين عشان أرفع نفسي من على الكنبة، وكمان كنت ناوي تسيبني!".
جوزي انفجر أخيراً: "كنا بنعاني أصلاً قبل ما أعيا، تمام؟!".
بصيت له، عشان فعلاً كنا بنعاني.. سهرات متأخرة في الشغل، مسافة، ومحادثات قصيرة، بس كنت فاكرة إن الضغط هو السبب.
"لو كنت حاسس بكده، أومال ليه خليتني أتبرع بكليتي؟" سألته بهدوء. علي بص بعيد فوراً، والصسكوت ده وجعني أكتر من العياط.
"أنا فضلت موجود، مش كده؟" جوزي تمتم بضعف.
كدت أضحك وأنا سامعاها.
"بقيت موجود بجسمك"، رديت. "بس من الناحية الشعورية، أنت سبتني من قبل العملية بكتير".
وهنا نادية دخلت: "ابني عمل اللي يقدر عليه".
"لا"، قلت بحزم. "معملش".
الشقة بقت هادية تماماً، ولأول مرة من أسابيع، استوعبت حاجة مهمة.. أنا مكنش ضعيفة خلاص، لأني عرفت الحقيقة. علي مابقاش عشان بيحبني، هو فضل عشان لو كان سابني بعد العملية كان هيحس بالذنب، فعشان كده بعد عني وبس.
جوزي ساب الشقة وخرج، ونادية دخلت أوضة الضيوف. طنط سميحة فضلت معايا وساعدتني أجمع كل الورق اللي يخص العلاج الطبيعي، وتاني يوم الصبح اتصلت بالعيادة بنفسي.
موظفة الاستقبال صوتها كان مرتاح وهي سامعاني: "حاولنا نتواصل معاكي مرتين بعد الاتصال ده، الأخصائي وأنا كنا قلقانين لأن حالتك كانت بتتحسن قبل الإلغاءات".
بتتحسن!
غمضت عيني.. طول الفتره دي كنت فاكرة إني بتدهور، بس الحقيقة إني مكنتش بتحرك كويس، وكنت بقلل في الأكل، وبدأت بالتدريج أصدق نادية كل ما تحسسني إني بقيت عاجزة. الحقيقة دي وجعتني قد العملية نفسها.
"أنا عايزة أرجع أخد جلسات العلاج حالا"، قلت. ولأول مرة من شهور، حسيت إن القرار قراري أنا بالكامل.
بعد تلات أشهر، شلت حلة شوربة منزلية عبر الطرقة من غير كرسي ولا عكاز. رجلي لسه كانت بتتعبني أحياناً، بس كنت بمشي تاني.
طنط سميحة فتحت باب شقتها لما خبطت، وفي اللحظة اللي شافتن واقفة وماسكة الشوربة بنفسي، ابتسمت بدفى: "أهو ده شكل التعافي الحقيقي!".
ضحكت ضحكة حقيقية حسيتها لأول مرة من شهور. علي وأنا انفصلنا بعد المواجهة دي بأسابيع، من غير صراخ أو نهايات درامية، بس الصدق جه في النهاية. هو ونادية نقلوا مع بعض بعدها بفترة قصيرة، والغريب إنه بمجرد ما بطلت أصرف طاقتي كلها في محاولة التمسك بشخص مش متاح عاطفياً، الشفاء جه أسرع، مش بس جسمانياً، بل نفسياً كمان.
طنط سميحة خدت الشوربة من إيدي وقالت وإ واحنا داخلين: "عارفة يا بنتي، العيلة مش بتيجي دايماً بالشكل اللي تتوقعه".
بصيت في شقتها الدافية، الكتل كان بيطلع بخار، وورقة الكلمات المتقاطعة كانت مستنية على الترابيزة. وبعدين افتكرت قد إيه كنت مرعوبة من فكرة إني هبقى لوحدي تاني.
الغريب، إني مكنتش لوحدي أبداً.. كنت بس بطلب من الناس الغلط إنهم يفضلوا.