بعد ما العملية اللي عملتها خلتني طريحة الفراش جوزي تجاهلني
بعد ما العملية اللي عملتها خلتني طريحة الفراش، جوزي تجاهلني بينما أمه كانت بتطبخ وتغسل له هو لوحده—لحد ما جارتنا العجوزة اتدخلت.
عمر ما كنت أتخيل إن أسوأ فترات الوحدة في حياتي هتجيلي وأنا متزوجة. فترة النقاهة بعد العملية أجبرتني أواجه الحقيقة المؤلمة عن أكتر ناس كنت باثق فيهم.
كنت فاكرة إن جوزي "علي" هيخليني ألاقي عائلة ومش هحس بالوحدة تاني أبداً. مبقاش عندي لا أب ولا أم، ولا أخوات ولاد أو بنات. ولما قابلته وأنا عنده 31 سنة، كانت الوحدة بقت جزء من روتيني اليومي: شقتي الهادية، عشايا الهادي، وأعياد ميلادي الهادية.
وبعدين جه "علي" وملى كل مكان حواليا بسهولة لدرجة إني بطلت أحس قد إيه كنت لوحدي قبله.
"إنتي في أمان معايا"، قالها لي مرة في أول شتا عدى علينا سوا. وصدقته.
لكن أم "علي"، "نادية"، عمري ما عجبته. عمرها ما قالت حاجة مؤذية بشكل صريح، كانت تعليقاتها صغيرة لدرجة تخلي جوزي يقدر يتجاهلها.
"تقدري دايماً تعرفي لما الشخص ميكونش متربي وسط عائلة"، كانت بتقولها وهي بتبتسم في وشي مباشرة. أو: "علي دايماً كان محتاج حد أقوى جنبه".
حاولت سنين طويلة إني أستميلها: عزومات عشا، هدايا عيد ميلاد، خطط للعيد. بس ولا حاجة نفعت. في الآخر بطلت أحاول، بس مكنتش أتخيل أبداً إن حماتي هي اللي هتخرب بيتي.
بعد جوازنا بثلاث سنين، علي عيا. في الأول افتكرناها إرهاق، وبعدين جت زيارات الدكتاتورة، وبعدين التشخيص: فشل كلوي.
قائمة الانتظار عشان الاقي متبرع بكلي كانت سنين طويلة.
"أطول من اللازم"، علي تمتم بيها بعد واحدة من الزيارات وهو ماسك دركسيون العربية بقوة لدرجة إن مفاصل إيديه ابيضت. "مش هقدر أعيش بالطريقة دي. لازم تعملي تحليل عشان تشوفي نفسك متوافقة ولا لأ". قالها بطريقة واقعية لدرجة إني لما اعترضت، حسسني بالذنب وقال: "هو إنتي عايزاني أموت؟".
وعملت التحليل.
لما المستشفى اتصلت وقالت لي إني متوافقة، علي عيط.
"لازم تعملي العملية"، طلب مني بإصرار. ولما ترددت، أكد لي إنها الطريقة الوحيدة. حاولت أقترح إن أمه تعمل التحليل هي كمان، بس رفض فوراً وقال: "هي كبيرة، ممكن متستحملش العملية. إنتي أملي الوحيد يا ملك. لازم تنقذي حياتي".
في الآخر وافقت، ولما ببص ورا دلوقتي، بشوف إزاي الأمور كانت بدأت تنهار من وقتها، يمكن أنا اللي مكنتش حابة أشوف ده.
العملية نجحت مع علي، بس معايا أنا لأ. صحيت بمضاعفات خلتني مش قادرة أقف على رجلي. الدكاترة وضحوا إن ده التهاب مؤقت في الأعصاب وضُعف في العضلات، بس ده برضه كان معناه أسابيع على الكرسي المتحرك وعلاج طبيعي.
في الأول، جوزي حسسته القلق لمدة تلات أيام تقريباً، وبعدين كل حاجة اتغيرت. علي بطل يسأل عن فترة نقاهتي، بطل يقعد معايا في مواعيد الدكتاتور، وبطل يلمسني إلا لو حد تاني موجود. جوزي مابقاش يبص في وشي، وفي معظم الأيام مابقاش يكلمني أصلاً.
ولصدمتي، ومن غير ما تشاورني، حماتي نقلت فجأة لشقتنا ومعاها شنطتين كبار. كنت أتمنى الأمور تتحسن بوجودها، بس حماتي مأسألتنيش أبداً أنا محتاجة إيه.
كل صبح، كانت نادية بترتب الغسيل بحرص، وتطلع هدوم علي وتسيب هدومي في السلة من غير ما تلمسها. قمصانه، شراباته، بنطلوناته، وهدوم الشغل، بينما هدومي فضلت مكوية ومنسية.
وفي الوقت اللي كنت بستوعب فيه ده، حماتي بدأت تطبخ الأكل ليه هو بس. كانت بتحط الأكل الباقي في علب وعليها لزق صغير مكتوب عليه:
"ممنوع اللمس. خاص لعلي".
أول ما شفت اللزق ده، افتكرته هزار، بس مكنش هزار. بقيت معظم الأيام عايشة على البسكوت الناشف، الكورن فليكس، أو الموز، عشان دي كانت الحاجة الوحيدة اللي أقدر أطولها من على ترابيزة الصالة لوحدي.
في بعد ظهر يوم من الأيام، شجعت نفسي وقلت أقول حاجة. علي كان بيلبس جاكتته عشان خارج، وأنا كنت بحاول أحرك كرسي للوصول للمطبخ.
"ممكن تساعدني أعمل حاجة قبل ما تخرج؟" سألته بهدوء. تنفس بعمق وقال: "فيه كورن فليكس". "أنت عارف إني مش طايلا اللبن أو السكر". "أومال عايزة أعمل إيه يا ملك؟" صرخ فيّ جوزي. "مش هبطل أعيش حياتي عشان تعافيكِ أخد وقت أطول من المتوقع".
الصمت ملا الشقة، وحتى نادية رفعت راسها من الكلمات المتقاطعة. علي مسك جبينه وقال بعدها: "مش قصدي كده". بس كان قصده، وكنت حاسة بده. ومن بعدها بطلت أطلب حاجة، كان أسهل من إني أسمع خيبة الأمل في صوته كل ما أطلب مساعدة.
الأيام بقت متشابهة بعدها. علي رجع لشغله، لعزومات أصحابه، وللضحك والصور اللي بينزلها أونلاين، وأنا قاعدة في نفس الزاوية من الصالة بتحرك نور النهار على السجاد.
في مرة سمعت نادية بتكلم في التلفون في المطبخ وتقول: "لسه قاعدة على الكرسي ده"، أو "مش عارفة الموضوع ده هياخد وقت قد ايه"، كإني مش قاعدة على بُعد عشر خطوات.
لحد ما في يوم اتصلت بأخصائي العلاج الطبيعي بعد ما استوعبت إني فوت ميعادين. موظفة الاستقبال صوتها كان متلخبط وقالت بحرص: "أه، جوزك اتصل وقال إنك عايزة توقفي العلاج".
قلبي وقع في بطني: "أنا عمري ما قلت كده". وقبل ما أقول حاجة تانية، علي دخل الأوضة:
"مين دي؟" سأل بحِدّة.
"عيادة العلاج الطبيعي".
تعبيرات وشي اتغيرت فوراً. "أنتِ قلتي إنك محتاجة راحة". "أنت قررت ده من غير ما تسألني؟"
موظفة الاستقبال كانت لسه سامعة من سماعة التلفون، وعلي وطى صوته فوراً: "هنتكلم بعدين". بس بعدين دي مجتش أبداً، وبقيت حاسة بالهزيمة والاكتئاب.
بعد أسبوع، حد خبط على الباب. في الأول تجاهلته عشان حماتي عادةً هي اللي بتقابل الزوار، وبعدين استوعبت إن الشقة هادية وهما الاتنين بره. فحركت الكرسي ببطء وفتحت الباب.
كانت "طنط سميحة" واقفة ومعاها كيس تسوق، وحواجبها مرفوعة من القلق. كانت ساكنة الناحية التانية من الشارع وعندها حوالي 80 سنة، بس كانت أخف في الحركة من الشباب. قبل العملية، كنت متعودة أزور طنط سميحة كل ليلة بعد الشغل، نعمل شاي، نرغي، نحل كلمات متقاطعة، ونتفرج على أفلام قديمة. بس بعد العملية بطلت أرد على مكالماتها عشان مكنتش عايزاها تشوفني بالشكل ده.
دلوقتي عينيها وسعت وقالت بهدوء: "يا ملك، ماشفتكيش من أسابيع، قلقلت عليكي".
في حاجة جوايا اتكسرت في اللحظة دي، وبدات أعيا قبل ما أقدر أوقف نفسي. طنط سميحة دخلت الشقة فوراً وقفلت الباب وراها.
ولقريب الساعة، حكيت لجارتي على كل حاجة: الأكل، العلاج الطبيعي اللي اتلغي، الصمت، وطريقة علي اللي بيكاد يكلمني بيها. طنط سميحة سمعت بهدوء، بس تعبيرات وشها كانت بتتغير: استغراب، عدم تصديق، وبعدين برود.