حماتي كانت تاخد ابني عندها كل جمعة عشان تقرب منه وتحفظه قرآن
في الليلة دي، بعد ما العيال ناموا، قعدت في الصالون الظلمة وطفيت كل النوان ما عدا الأباجورة الصغيرة اللي جنب الكنبة. والمطر كان بيخبط بهدوء على الشزاز وساعة المطبخ القديمة بتقرب من الساعة اتنين الصبح.
غصبت نفسي إني أضل صاحية.
الساعة 1:47، نور العربيات ظهر تاني. وكل جسمي اتشد في ثانية.
العربية النقل عدت ببطء جنب البيت قبل ما تقف جنب الرصيف. حبست نفسي وأنا باصص لراجل طويل بينزل وهو لابس جاكيت غامق وطاقية صوف.
راجل.
تحرك بهدوء ناحية العتبة ومعاه كيس أكل. ونبضات قلبي دقت بعنف وأنا بجري ناحية باب الشقة. بس أول ما الخشب أصرخ تحت رجلي، الراجل اتسمر مكانه. وللحظة قصيرة، بص للبيت مباشرة. وبعدين لف وجري راجع على العربية.
"استنى!" صرخت وأنا بفتح الباب.
الهواء الساقع ضربني فورًا.
موتور العربية على وصرخ.
"أرجوك!" عيطت: "إنت مين؟"
بس الراجل سوا وطلع على جوه الظلمة من غير ما يبص ورا. وقفت بترعش حافية على العتبة، باصص للأنوار اللي بتختفي. وبعدين لاحظت حاجة جنب الدرج.
ولاعة فضية.
وطيتها أوتوماتيك. وفي اللحظة اللي قلبتها فيها، دمي جمد في عروقي.
حرفين: (ح. ع)
حروف حسن.
ولاعة جوزي.
"لا،" همست.
إيدي كانت بتترعش لدرجة إني كنت هوقعها. حسن كان شايل الولاعة دي في كل حط طول السنين. كان بيفتحها ويلعب بيها وهو بيساعد العيال في الواجب أو قاعد على العتبة بعد العشا.
دخلت البيت وأنا حاسس بغثيان. إزاي غريب يكون معاه ولاعة جوزي؟
تاني الصبح، والعيال في المدرسة، طلعت السقيفة أفتش في صناديق التخزين القديمة زي المجانين. التراب كان مالئ المكان والهواء الساقع بيخبط فوق السطح.
"يلا،" تمتمت بيأس: "يلا بقى..."
وأخيراً، لقيت جاكيت شغل قديم لحسن محشور في صندوق بلاستيك. حاجة تتقلت اتحركت جوه البطانة لما شيلتها.
محتار، حطيت إيدي في الجيب الداخلي.
واتسمرت.
قصاصات جرايد، ظروف، صور، وكومات إيصالات وقسائم سحب من البنك.
بدأت أفرش كل حاجة ببطء على أرضية السقيفة. في الأول، مفيش حاجة كانت ليها معنى.
بعدين بدأت أقرأ.
إيصال منهم كان بيثبت فاتورة مستشفي مدفوعة في السر لواحدة عمري ما سمعت عنها. ظرف تاني كان فيه فلوس مبعوتة لدار أيتام كل رأس سنة لمده تمus سنين. وكان فيه جوابات مكتوبة بخط الإيد بتشكر حسن على أكل، ودفع إيجار، وأدوية، وحتى مصاريف جنازة.
دموعي غبشت عيوني.
"إيه كل ده؟" همست.
جوزي كان بيشتغل أوفرتايم على طول. وكان دايما بيقول إننا محتارين نحوش. بس دلوقتي فهمت الفلوس دي كلها راحت فين.
للغربا.
ناس كان بيساعدهم بهدوء من غير ما يقولي. وبعدين لقيت قصاصة الجرايد.
العنوان كان بيقول:
"راجل ابن بلد بينقذ عمال من حريقة مصنع"
وتحتيه صورة لحسن واقف جنب راجل تاني قدام مبنى محروق. دراع حسن كان محوط كتاف الناجي ده والاتنين باصين للركام اللي بيدخن وراهم.
وش الراجل التاني كان متشوه جامد.
وتحت وصف الصورة كان مكتوب اسمه:
"ميخائيل."
معدتي اتقبضت فورًا.
في آخر الجواب الغامض كان فيه حرف واحد مكتوب بخط الإيد:
(م)
فضلت باصص للمقال فترة طويلة والسقيفة حسيت إنها بقت أضيق من إن الواحد يتنفس فيها. كنت فاكر إني فهمت أخيراً مين اللي كان بيسيب أكل برا بابنا.
بس بعد تلات أيام، الأكل بطل ييجي.
واليوم الرابع من غير أكل، الخوف رجع تاني.
الثلاجة كان فيها بيضتين، نص لتر لبن، وكيس هوت دوج واحد. ياسين وقف جنبي وهو ماسك في السويتر بتاعي.
"ملاك العتبة كويس؟"
ضغطت على ابتسامة: "أتمنى يا حبيبي."
وفي الليلة دي، وفي وسط عاصفة ثلجية، عسكريين شرطة خبطوا على بابي.
"مدسن هارب،" واحد سأل بهدوء: "تعرفي راجل اسمه ميخائيل؟"
قلبي وقع في رجلي.
لاقوا ميخائيل فاقد الوعي بعد ما عمل حادثة بعربيته على بعد خمس ميل. وجوه العربية كان فيه أكل، دوا، جزمة شتوي، وليست مكتوبة بخط الإيد بأسامي عيالي ومقاساتهم.
في المستشفي، شوفته أخيرًا.
وشه ورقبتة كانوا متشوهين من حريق المصنع اللي في الجريدة. ولما شافني، الدموع مالت عيونه.
"جوزك أنقذ حياتي،" همست: "مرتين."
حكى لي إن حسن طلعه من الحريقة من سنين، وبعدين دفع له مصاريف المصحة لما المسكنات والخمور كادت تدمره.
"من غير حسن،" ميخائيل قال وهو بيعيط: "كنت زماني ميت من زمان."
وبعدين كسرني أكتر.
"الليلة اللي حسن مات فيها، كان جاي ينقذني تاني. كلمته وأنا سكران في وسط عاصفة ثلجية. وجالي. وفي طريق الرجعة، عربية قطعت الإشارة."
حزني اتحول لسكين حاد.
"عيالي ضاع منهم أبوهم بسببك."
"أنا عارف،" همست.
لأسابيع، كرهته. وبعدين ببطء وبعذاب فهمت: حسن اختار الخير، حتى لو كلفه كل حاجة.
بعد سنة، ميخائيل قعد على ترابيزة السفرة وعيالي بيضحكوا حواليه. وفوق المدفأة كان فيه صورة لحسن جنب ميخائيل بعد الحريقة.
ياسين شاور عليها: "بابا أنقذ كل الناس دي؟"
ابتسمت ودموعي نازلة: "أيوه،" همست: "وفي الغالب... كان لسه بينقذ الناس حتى بعد ما مشي."