حماتي كانت تاخد ابني عندها كل جمعة عشان تقرب منه وتحفظه قرآن
عيالي كانوا بيقولوا عليه "ملاك العتبة"، بس الليلة اللي لقيت فيها ولاعة جوزي المرحوم قدام البيت، فهمت إن الغريب اللي كان بيراقبنا ده كان عارف عن عيلتي تفاصيل أكتر بكتير من المفروض يعرفها.
وأنا عندي تسعة وثلاثين سنة، اتعلمت إن الجوع له صوت؛ كان صوت خربشة شوكتي الهادية في طبق فاضي، بينما عيالي كانوا بيعملوا نفسهم مش واخدين بالهم إني ما غرفتش لنفسي عشا.
"يا ماما، إنتِ مش بتاكلي ليه؟" سأل ياسين، ووشه الصغير باهت تحت نور المطبخ.
ابتسمت ومديت إيدي عبر الترابيزة عشان أمسح الصلصة من دقنه: "أنا كلت بدري يا حبيبي."
بنتي الكبيرة، ليلى، بصت في الأرض فورًا. وفي سن التلاتاشر، كانت كبيرة بالقدر الكافي اللي يخليها تفهم إني بكدب.
بعد ما جوزي، حسن، مات، حياتنا اتقطعت حتت. الأول ظهرت مصاريف الدفنة، وبعدين إنذارات التأخير، وبعدين تحذيرات صاحب البيت، لحد ما الثلاجة فضيت بالتدريج لدرجة إن فتحها بقى عامل زي العقاب. كنت بربي أربعة عيال لوحدي في شقة إيجار ضيقة ماسورة المطر فيها بتسرب، وشبابيك مشروخة، وباب شقة مبيتفتحش ولا يتقفل غير لما أرفسه مرتين برجليه.
وفي كذا ليلة، كنت بوقف في المطبخ بعد ما العيال بيناموا وأحط إيدي على بوقي عشان ما يسمعوش صوت عياطي.
"أنا بحاول يا حسن،" همست في الظلام، "أقسم بالله إني بحاول."
بس المحاولة ما كانتش بتملى الدولاب.
في صقيع يوم من الصيام أو البرد القارس، فتحت باب الشقة عشان أخرج على شغل لقيت نفسي بتسمر. كيس بلاستيك بني محطوط على العتبة؛ وجوه عيش، لبن، بيض، تفاح، زبدة فول سوداني، وعلبة كورن فليكس ياسين بيحبها بس مكنتش قادرة أشتريها من شهور.
ليلى ظهرت ورايا وهي بتفرك النوم من عيونها: "ماما... الحاجة دي جت منين؟"
"ما أعرفش."
"حد سابها لينا؟"
فضلت باصة على الشارع الفاضي، والقلق بيتحرك ببطء في صدري: "جايز تكون غلطة."
بس تاني الصبح، ظهر كيس تاني. وبعده كيس غيره.
كل يوم بالتمام والكمال. ولما ياسين اشتكى إن جزمه بتوجع رجله، ظهرت جزمة جديدة برا على الصبح. ولما ياسين عيي، دواء الأطفال طلع محطوط بنظام جنب الأكل. ولما الشتاء جه، ظهرت أربع جواكت على مقاس عيالي بالظبط.
عيالي بقوا يسموا الراجل ده "ملاك العتبة".
بس أنا مكنش بيطمني كده، أنا كنت مرعوبة.
علشان مفيش مخلوق كان واخد باله إحنا واقعين في ديقة قد إيه.. مفيش حد خالص.
أنا بطلت أرد على التليفونات من شهور لأني كنت مكسوفة أعترف إحنا قريبين من إيه ومن خسارة كل حاجة. بعد جنازة حسن، نقلنا بهدوء الناحية التانية من البلد في شقة الإيجار الضيقة دي. عمري ما كتبت العنوان على الإنترنت، ويدوب قلت لأقاربنا إحنا قاعدين فين بالسر.
فازاي حد بقى عارف إي عيالي محتاجينه بالظبط؟
في ليالي كنت أوقف ورا ستارة الصالون باصص للشارع المظلم، وأنا متأكدة إن فيه حد بيراقبنا. لحد ما في ليلة، حوالي الساعة اتنين بالليل، نور عربية ضرب فجأة على حيطة أوضتي.
قعدت مفزوعة. صوت موتور عربية دائر برة بهدوء.
وقلبي بيدق بجنون، جريت على الشباك حافية وشدست الستارة يادوب في اللحظة اللي لحقت أشوف فيها عربية نقل قديمة بتختفي في أول الشارع. وتاني الصبح، ملقيتش كيس أكل على العتبة.
كان فيه ظرف بس.
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحه. جواه ورقة واحدة مكتوب عليها بخط مش مظبوط تلات جمل:
"جوزك في يوم أنقذ حياتي. وأنا ما قدرتش أنقذ حياته. فعشان كده دلوقتي بحاول أنقذ حياتكم."
قريت الجواب تلات مرات لحد ما رجليا ما عادوش شايلينني.
"ماما؟" صوت ليلى كان بيترعش ورايا: "إيه ده؟"
طبقت الورقة بسرعة قبل ما العيال الصغيرة تشوفها.
"مفيش حاجة،" كدبت بسرعة زيادة عن اللزوم.
بس ليلى قربت ودرست وشي كويس قوي. كان عندها عيون حسن.. ملاحظة، هادية، وصعب تتغبي عليها.
"شكلك خايفة."
كنت خايفة بجد.. مرعوبة. لأن اللي كتب الجواب ده عارف حاجات مفروض ما يعرفهاش.