الشهر العقاري مشيرة محمد
إلى التسجيل الصوتي وعيناه تتسع ذهولاً وغضباً.
قال المستشار عادل وهو يضرب كفاً بكف يا أولاد الأبالسة! بقالهم سنتين مفهمينا إن جمال بيه سافر للعلاج برة مصر، ورأفت مطلع توكيل عام يدير بيه كل حاجة! كاميليا، الورق ده قنبلة، بس عشان نتحرك صح وننقذ أبوكي من غير ما يحسوا ويأذوه، لازم نمشي معاهم في اللعبة لحد آخر لحظة.
سألته بخوف يعني إيه يا عمي؟ أروح أمضي بكرة؟
أجابني بابتسامة ثقة هتروحي بكرة.. بس مش لوحدك. إحنا هنبلغ مباحث الأموال العامة والشرطة، وهيتعمل لهم كمين متقفل جوة مكتب الموثق في الشهر العقاري بتهمة التزوير والنصب والابتزاز الجنائي واحتجاز مواطن بدون وجه حق. بس أهم حاجة دلوقتي، لازم نعرف أبوكي محبوس فين بالظبط.
تذكرت الست أم سيدة، عاملة النظافة. قلت بسرعة الست بتاعة الشهر العقاري! هي اللي جابت لي الفلاشة، أكيد تعرف مكان بابا، أو على الأقل تعرف مين اللي ودا لها الفلاشة دي.
قال عادل تمام، أنا ليا معارف في الشهر العقاري ده، هعرف نوصل لعنوان الست دي الليلة.
وبالفعل، بحلول الساعة الثامنة مساءً، كنا أمام منزل بسيط في حي شعبي بضواحي القاهرة. طرقتُ الباب، ففتحت لي الست أم سيدة بنفس مريلتها الرمادية ولكن بدون أدوات المسح. عندما رأتني، شهقت وضمتني إلى صدرها كأنني ابنتها.
قالت والدموع في عينيها الحمد لله يا بنتي إنك مجيتيش بكرة وممضيتيش! جمال بيه راجل طيب وعمره ما أذى حد. أنا أختي الصغيرة شغالة في الفيلا القديمة بتاعة رأفت بيه اللي في طريق مصر الإسماعيلية الصحراوي. هي اللي شافت جمال بيه محبوس في أوضة في البدروم، وهو اللي كتب الجوابات وسجل الصوت على الفلاشة دي بمساعدتها وسرقوا الفلاشة من مكتب رأفت، وأختي جابتها لي وقالت لي كاميليا جاية بكرة مع جوزها العقرب عشان يخليها تمضي.. الحقوها.
قبلت رأس الست أم سيدة وأنا أشكرها بحرارة. في تلك اللحظة، تحول الخوف في قلبي إلى قوة غاشمة. اتصل المستشار عادل بالجهات الأمنية، وتم التنسيق لإرسال قوة برية تابعة للشرطة فوراً لمداهمة فيلا رأفت بيه في الصحراوي وإنقاذ أبي، على أن يتم ضبط شريف ورأفت متلبسين في صباح اليوم التالي بالشهر العقاري.
قضيت تلك الليلة في فندق صغير تحت اسم مستعار، لم تغمض لي عين. كنت أنظر إلى عقارب الساعة وهي تتحرك ببطء قاتل، أنتظر شروق الشمس لأواجه الوحوش الذين دمروا حياتي.
في تمام الساعة التاسعة صباحاً، وصلت إلى مبنى الشهر العقاري بمصر الجديدة. كان الجو غائماً والمطر الخفيف يضفي على المكان هيبة ورهبة. ركبت المصعد إلى الدور الفوقاني، ووجدت شريف ورأفت بيه واقفين في الممر، يتبادلان نظرات متوترة. فور رؤيتي، اندفع شريف نحوي وأمسك بيدي.
قال شريف وعيناه تبرقان بحدة أنتِ متأخرة ليه؟ تليفونك مقفول من امبارح بالليل، كنتِ فين؟
أجبت بثبات وثقة أدهشته تليفوني فصل شحن يا شريف، ونمت ومسمعتش المنبه. المهم.. مش يلا بينا عشان نخلص الورق؟ رأفت بيه مستني.
تقدم رأفت بابتسامته الثعلبية وقال أهلاً يا كاميليا يا بنتي، لعله خير، يلا الموثق جوة ومستنينا والورق جاهز على التوقيع.
دخلنا إلى مكتب الموثق. كان المكتب ضيقاً، تفوح منه رائحة الأوراق الرسمية والكلور، تماماً كما وصفه أبي في ذكرياتي. جلس الموثق وراء مكتبه الضخم، ووضع أمامي دفاتر التنازل الرسمية والقلم.
نظر إليّ شريف وقال بصوت منخفض يحمل نبرة الآمر امضي هنا يا حبيبتي.. على السطر ده، وعشان ترتاحي ونقفل الصفحة دي خالص.
أمسكت بالقلم، ووضعت سِنه فوق الورقة، لكنني لم أتحرك. نظرت إلى شريف، ثم إلى رأفت، وابتسمت ابتسامة ساخرة جعلت ملامحهما تتصلب رعباً.
سأل رأفت بحدة في إيه يا كاميليا؟ ما تمضي!
قلت بصوت عالٍ ملأ الغرفة مش قبل ما أطمن على بابا.. جمال الشناوي.
تغير لون وجه شريف وقال محاولاً السيطرة على الموقف بابا مين؟ ما إحنا قلنا أبوكي مش عايز يشوفك والمصنع بيخسر! امضي وخلاص!
في تلك اللحظة، انفتح باب المكتب بقوة، ودخل المستشار عادل ومعه ضابطان برتبة رفيعة بملابس مدنية، وخلفهم ثلاثة من رجال الشرطة المسلحين.
صاح رأفت بغضب إيه ده؟ إنتو مين ودخلتوا هنا إزاي؟
تقدم الضابط وأخرج شاراته العسكرية قائلاً ببرود معاك الرائد أحمد من مباحث الأموال العامة. رأفت بيه السيوفي، وشريف عبد الرحمن.. إنتو مقبوض عليكم بتهمة النصب، والتزوير، والاستيلاء على أموال وممتلكات الغير، واحتجاز المواطن جمال الشناوي بدون وجه حق.
وقع الخبر كالصاعقة على شريف. تراجع للخلف وهو يحاول الإنكار أكيد في سوء تفاهم! دي مراتي وده ورثها وهي بتتنازل بكامل إرادتها!
صرخت في وجهه والدموع تحرق عيني اخرس خالص يا خاين! أنا شفت كل حاجة وعرفت كل حاجة.. عرفت الجوابات اللي قطعتها، والسم اللي كنت بتديه لأبويا عشان يغيب عن الوعي، وعرفت الفلوس والملايين اللي كنتوا هتسرقوها وتجروا بيها برة البلد!
التفت الرائد أحمد إلى هاتف كان بيده، وضغط على زر الاسبيكر، ليأتيني صوتٌ ضعيف ولكنه ممتلئ بالحياة كاميليا.. يا بنتي.. أنا بخير.. الشرطة أنقذتني وأنا في المستشفى دلوقتي بطمن عليا.. أوعي تمضي يا بنتي.
سقطت دموعي فرحاً، ووقعت على ركبتي وأنا أسمع صوت أبي حراً طليقاً. نظرت إلى شريف وهو يُقاد بالكلابشات الحديدية، يجر ذيول الخيبة والندم، وعيناه تفيضان بالرعب بعد أن سقط قناعه الزائف إلى الأبد. ورأفت بيه كان يرتجف ويهذي بكلمات
غير مفهومة وكبريائه الشيك قد سُحق تحت أقدام العدالة.
التفتُّ وراء الكواليس، فوجدت الست أم سيدة تقف عند نهاية الممر، ممسكة بممسحتها، تنظر إليّ بابتسامة رضا حانية. أومأتُ لها برأسي تعبيراً عن جميلٍ لن أنساه ما حييت؛ فقد كانت حتة القماشة الوسخة التي قدمتها لي، أنظف شيء أنقذ حياتي وحياة أبي من قذارة أقرب الناس إلينا.