الشهر العقاري مشيرة محمد
المحتويات
بيتنا. أول ما التاكسي حود من ورا الملف، قلت للسواق على ايدك اليمين يا أسطى، وديني مكان تاني.
رحت عند سنترال ومكتبة خدمات كمبيوتر جنب السوق المركزي، كان شغال فيها واحد صاحبي من زمان وعنده أجهزة للزبائن. جوة الشنطة، كنت حاسة إن الفلاشة ليها دقات قلب من كتر الرعب. مكانش يخطر على بالي أبداً إيه اللي أنا داخلة أكتشفه!
جلس صاحب المكتبة، صديقي القديم أحمد، خلف مكتبه يتابع حركة الزبائن بنظرات باهتة، حتى دخلتُ عليه والأنفاس تكاد تنقطع من صدري. نظر إليّ بوجل، فملامحي المخطوفة وفستاني الكحلي المبلل برذاذ المطر الخفيف كانا كافيين لإثارة ريبته. قال أحمد وهو ينهض من مقعده مسرعاً كاميليا؟ مالك يا بنتي فيكِ إيه؟ شكلك عامل كأنك هربانة من مصيبة!
أجبت بصوت مرتعش وأنا ألتفت خلفي كأنني أخشى أن يكون شريف قد تتبعني أحمد، أرجوك.. محتاجة جهاز كمبيوتر حالاً، يكون بعيد عن عين أي حد في المحل. معايا فلاشة لازم أشوف اللي عليها دلوقتي.
أدرك أحمد بذكائه أن الأمر لا يتحمل النقاش. أشار إليّ بنظرة من عينيه نحو غرفة صغيرة في خلفية المكتبة يُوجَد بها جهاز كمبيوتر قديم يُستخدم لإدخال البيانات. دخلتُ وأغلقت الباب الخشبي وراء لوحي، جلست على الكرسي وجسدي كله يرتجف. أخرجت الفلاشة من الجيب السحري لحقيبتي؛ كانت القطعة البلاستيكية السوداء الصغيرة تبدو في يدي أثقل من جبل.
أدخلت الفلاشة في الجهاز. ظهرت نافذة تحتوي على مجلد واحد سمي باسمي إلى ابنتي كاميليا. نقرت عليه بقلب يخفق كطبول الحرب، فظهرت عدة ملفات صوتية ومستندات ممسوحة ضوئياً PDF. فتحت الملف الصوتي الأول، وانطلق صوتٌ هز كياني.. صوتٌ لم أسمعه منذ سنتين. إنه صوت أبي، جمال الشناوي، لكنه لم يكن صوتاً قوياً كالماضي، بل كان متهدجاً، متعباً، ويمتزج بنبرة بكاء مكتوم
كاميليا يا بنتي.. لو بتسمعي التسجيل ده، يبقى الست أم سيدة الشغالة بتاعة الشهر العقاري نجحت في إنها توصّلك الأمانة. أنا محبوس يا كاميليا.. مش محبوس في سجن، أنا محبوس في بيتي، شريف جوزك ورأفت شريكي عزلوني عن العالم. شريف كان بياخد الجوابات اللي بكتبها لك ويقطعها، ولما كنت بحاول اتصل بيكِ، كان بيمسح نِمرتك من تليفوني ويقنعني إنك مابقتيش عايزة تعرفيني بعد موت أمك. رأفت وشريف اتفقوا عليا، مضوني على تنازلات تحت التهديد وحجزوا على ممتلكاتي، والآن الدور عليكِ عشان ياخدوا ال 35 بتوعك ويبيعوا المصنع كله لشركة أجنبية بملايين، ويرمونا في الشارع. الورق اللي مع الفلاشة دي فيه عقود الشراكة الحقيقية، وفيه إثبات إن المصنع بيكسب ومفهوش ديون ولا قضايا.. كل دي تمثيلية عشان يمضوكي. الحقيني يا بنتي.. أنا بيموتوني بالبطيء.
توقفت الكلمات في حلقي، وصعدت غصة حارقة كادت تخنقني. دموعي انهمرت بغزارة على وجنتي، غطيت فمي بكلتا يدي لكيلا يسمع أحمد نحيبي. سنتان كاملتان وأنا أعيش في وهم صاغه لي شيطان أسميته زوجاً! سنتان وأنا أظن أن أبي جفاني وباعني من أجل الآلات، بينما كان هو يتعرض لأبشع أنواع الغدر والابتزاز على يد الرجل الذي ينام في فراشي ويقدم لي القهوة بالقرفة كل صباح.
فتحت المستندات المرفقة؛ كانت عبارة عن تقارير مالية حقيقية للمصنع تثبت الأرباح الخيالية، وعقود مبدئية بين رأفت وشركة استثمارية أجنبية لبيع المصنع بالكامل فور استحواذ رأفت على حصتي، بالإضافة إلى تقرير طبي يثبت أن أبي يُعطى أدوية مهدئة بجرعات زائدة لتغيب وعيه وتسهيل السيطرة عليه.
قاطعت نوبة بكائي رنة تليفوني المحمول. كان المتصل هو شريف. تصلّب جسدي، مسحت دموعي بسرعة، وحاولت أن أستجمع كل شجاعتي لكيلا يظهر صوتي مهزوزاً. فتحت الخط.
قال شريف بنبرة حادة تخلو من كل ذلك الحنان المزيف أنتِ فين يا كاميليا؟ السواق كلمني وقاللي إنك نزلتي في وسط الطريق وركبتي عربية تانية! إيه اللعب ده؟
ابتلعت ريقي وأجبت ببرود مصطنع تعبت أوي يا شريف، جالي مغص شديد وخفت يغمى عليا في التاكسي، فنزلت ودخلت الصيدلية أخدت حقنة مسكن ومحاليل، وأنا دلوقتي نايمة عند واحدة صاحبتي قريبة من الصيدلية لحد ما أفوق. متقلقش.
صمت شريف لثوانٍ، بدا وكأنه يحلل نبرة صوتي، ثم قال بنبرة تهديد مبطنة ماشي يا كاميليا، حمد الله على سلامتك. بس افتكري إن رأفت بيه على آخره، وميعادنا بكرة الساعة تسعة الصبح في الشهر العقاري، ومش هقبل بأي أعذار تانية. فاهمة؟
أغلقت الخط دون أن أجيبه. نظرت إلى الشاشة وأنا أقول لنفسي فعلاً، ميعادنا بكرة.. بس مش عشان أمضي، عشان أدمركم.
خرجت من الغرفة الصغيرة، كان أحمد ينظر إليّ بقلق بالغ. قلت له وعيناي تشعان بغضب لم أعرفه في حياتي من قبل أحمد، أنا محتاجة أطبع كل الورق اللي على الفلاشة دي ميت نسخة، ومحتاجة تليفون أكلم منه نمرة معينة.. تليفوني مراقب وممكن يكون شريف حاطط عليه برنامج تتبع.
أعطاني أحمد هاتفه الشخصي، وبدأت أسترجع ذكرياتي القديمة حتى تذكرت رقم المستشار عادل، وهو صديق طفولة لأبي ومحامٍ قَدير كان أبي يلجأ إليه دائماً قبل أن يعزله شريف عن العالم. اتصلت به، وجاءني صوته الرزين ألو، مين معايا؟
انفجرت بالبكاء مجدداً وقلت أنا كاميليا جمال الشناوي يا عمي عادل.. أنا في كارثة ومحتاجة مساعدتك.
بعد ساعة ونصف، كنت جالسة في مكتب المستشار عادل. فحص الرجل الورق والمستندات بتمعن شديد، واستمع
متابعة القراءة