عادت من لندن لتجد ابنتها قد باعت منزلها

لمحة نيوز

وحدنا.
بعد ساعتين تقريبًا... عدت إلى الشارع الذي فقدت فيه منزلي. لكن هذه المرة لم أصل بسيارة أجرة؛ وصلت برفقة نورة، وصانع أقفال، ودوريتين من الشرطة، وموثق رسمي يحمل حقيبة ممتلئة بالأختام والأوراق.
فتحت دلال الباب. لم تكن تبتسم هذه المرة، كانت عيناها حمراوين من البكاء، ولا تزال أقراطي اللؤؤية معلقة في أذنيها. همست أمي...
أردت أن أنزع الأقراط من أذنيها بيدي، لكنني لم أفعل.
ظهر فهد خلفها مباشرة وكان الغضب يشتعل في وجهه وقال ما معنى هذا؟
رفعت نورة ملفًا رسميًا أمامه وقالت طلب إثبات حيازة. وبلاغ جنائي قيد الإجراء. وطلب مراجعة عملية بيع يُشتبه بأنها احتيالية. مساء الخير.
ضحك فهد بصوت مرتفع وقال لا يحق لكم دخول المنزل.
تنحنح الموثق ثم قال حتى هذه اللحظة السيدة هدى ما زالت المالك القانوني للعقار. ومن خلال ما أراه فإن موقفكم القانوني ينهار بسرعة كبيرة.
نظرت دلال إليّ وقالت أمي... والله لم أكن أعرف.
حدقت فيها طويلًا ثم قلت لكنك كنت تعرفين أنك تتركينني في الشارع.
امتلأت عيناها بالدموع وقالت فهد قال إن الأمر مؤقت. وإننا سنشتري لك شقة بعد فترة.
نظرت إليها ثم قلت من مالي أنا.
خفضت رأسها وقالت كنت أريد مساعدتك.
هززت رأسي ببطء ثم قلت لا يا دلال... كنت تريدين إبعادي من الطريق. لم تستطع النظر في عيني بعدها.
تقدم فهد خطوة نحو نورة وقال أنتم لا تعرفون من أكون.
أخرجت صورة أمي الواقفة أمام المنزل ورفعتها أمامه، ثم قلت لكنني أعرف اسم عائلتك.
تجمد مكانه ثانية واحدة فقط، لكنني رأيتها؛ الخوف... نفس الخوف الذي ظهر على وجهه عندما ابتسمت أمام الباب في ذلك اليوم.
قال بصوت متوتر من أين حصلتِ على هذه الصورة؟
أجبته من قبر.
عقدت دلال حاجبيها وقالت أي قبر؟ لكنني لم أرد عليها.
وتجاوزتهما ودخلت المنزل. كانت رائحته مختلفة؛ رائحة عطر فهد، وهواء ثقيل راكد، ورائحة طموح رخيص. الأثاث ما زال في مكانه لكن بعض القطع تغير موضعها. أما الصليب الفضي الذي كنت أحتفظ به فقد كان داخل صندوق كرتوني، وصورة راشد كانت ملقاة على وجهها فوق الطاولة الجانبية. التقطتها ببطء ومسحت عنها الغبار ثم همست سامحني يا رفيق العمر.
بعدها توجهت مباشرة إلى جهاز التسجيل القديم. كان لا يزال موجودًا، مغطى بطبقة من الغبار؛ قديمًا وعنيدًا، يشبهني تمامًا. وأدركت أن الليلة لم تنتهِ بعد...
وصلت نورة الجهاز بالكهرباء وأخرجت الشريط القديم من الحقيبة، أما الموثق فبدأ يصور كل شيء بهاتفه. وقف رجال الشرطة قرب المدخل. كانت دلال تبكي بصمت، بينما ظل فهد واقفًا وفكاه مشدودان من التوتر.
أدخلت الشريط في الجهاز وضغطت زر التشغيل. في البداية لم نسمع سوى تشويش خافت، ثم صوت نفس طويل، وبعده مباشرة... صوت امرأة.
صوت أمي!
تجمد الدم في عروقي هدى... يا صغيرتي... إذا كنت تسمعين هذا التسجيل الآن، فهذا يعني أنك عدتِ للدفاع عن المنزل. سامحيني لأنني تركت لك هذا الحمل الثقيل.
وضعت يدي على فمي. كنت أظن أنني نسيت صوتها، لكن الحقيقة أنني لم أنسه أبدًا؛ جسدي هو الذي تذكره قبل عقلي. شعرت بركبتيّ تضعفان وسقطت على أقرب مقعد.
واستمر التسجيل والدك لم يستمع إليّ. وعائلة السهلي عرضت المال مقابل المنزل. لكنهم لم يكونوا يريدون المنزل نفسه. كانوا يبحثون عن شيء مدفون تحته منذ سنوات طويلة.
تبادل الجميع النظرات، أما فهد فشحب وجهه أكثر.
واصلت أمي حديثها ليس ذهبًا يا هدى... وليس مجوهرات. بل أدلة. قائمة أسماء... أسماء رجال اختفت بسببهم نساء، ورجال استولوا على أراضٍ ليست لهم، وأناس دفنوا الحقائق خلف العقود والأختام.
ارتفع صوت المطر في الخارج بينما بقي الجميع صامتين. ثم قالت أمي أخفيت تلك القائمة في مكان لن يخطر على بال أحد... تحت شجرة الجهنمية.
التفتت نورة نحوي بسرعة، أما أنا فشعرت بقشعريرة تسري في جسدي. شجرة الجهنمية... نفس الشجرة التي زرعها راشد، نفس الشجرة التي كنت أسقيها كل صباح.
ارتجف صوت أمي في التسجيل وقالت إذا عاد أحد من عائلة السهلي للمطالبة بالمنزل يومًا... فاعلمي أنهم لا يريدون الجدران، بل يريدون ما تحت الجذور. ثم توقف التسجيل فجأة وصدر صوت طقطقة حاد وانتهى.
ساد الصمت؛ صمت ثقيل حتى المطر بدا وكأنه توقف ليستمع.
كانت دلال أول من تكلم، نظرت إليّ بعينين خائفتين وقالت أمي... ماذا يعني هذا؟
قبل أن أجيب... اندفع فهد فجأة نحو الباب الخلفي، لكن أحد رجال الشرطة اعترض طريقه فورًا وقال إلى أين؟
رفع فهد يديه بسرعة وقال لا مكان.
لكنني انتبهت إلى شيء كان حذاؤه مغطى بالطين؛ طين جديد، رطب، كأنه خرج للتو من حفرة. وفي تلك اللحظة فهمت. أثناء وجودي في لندن... لم يكتفوا بتغيير الأقفال، بل كانوا يحفرون!
اندفعت نحو الحديقة الخلفية بأسرع ما استطعت وكان المطر يهطل بقوة. وتحت أغصان الجهنمية البنفسجية... كانت الأرض ممزقة، مقلوبة، ومحفورة بعنف. وفي وسط الحفرة ظهر صندوق معدني لم يكن مغلقًا بالكامل.
ارتدت نورة قفازات وانحنت نحوه ثم فتحته ببطء. حبس الجميع أنفاسهم.
في الداخل كانت هناك صور قديمة، ودفاتر، وسجلات، وملفات ورقية، وكيس قماش صغير. أخرجته بيدي وفتحته، فسقطت منه ميدالية فضية قديمة كانت متآكلة بفعل الزمن لكن الحروف ما زالت واضحة إ ر إلينا الرويلي. أمي.
شعرت أن الزمن كله توقف للحظة. ركعت دلال بجانبي وسط الوحل وكان المطر يبلل شعرها ووجهها وقالت وهي تبكي أمي...
أنا آسفة.
نظرت إليها... إلى ابنتي، إلى الأقراط التي تخصني، إلى وجهها الذي حطمه الخوف. أردت أن أضمها إلى صدري، وأردت أن أكرهها، وأردت أن أعود أربعين عامًا إلى الوراء وأحملها رضيعة بين ذراعي قبل أن يدخل فهد إلى حياتها، قبل الديون، قبل الجشع، قبل أن تتعلم أن تنظر إليّ كعقبة.
لكنني لم أفعل شيئًا، لأن الأم أحيانًا تحتاج أن تتعلم درسًا مؤلمًا؛ أن حب شخص ما لا يعني إنقاذه دائمًا من نتائج أفعاله.
خلفنا مباشرة كان فهد مكبل اليدين قرب الباب، وفجأة بدأ يضحك؛ ضحكة جافة، مرهقة، ويائسة، وقال أنتم لا تفهمون شيئًا.
رفعت نورة رأسها وسألته ماذا لا نفهم؟
نظر إليّ مباشرة؛ ليس إلى الشرطة، ولا إلى نورة، بل إليّ أنا، ثم قال بصوت منخفض إذا خرجت تلك الأسماء إلى العلن... سيأتون للجميع.
سألت نورة من هم؟
بقي ينظر إليّ ثم قال نفس الأشخاص الذين أسكتوا والدتك.
ازداد هطول المطر، وأحكمت قبضتي على ميدالية أمي. ولأول مرة منذ أن نزلت من الطائرة... شعرت أن أمي لم تمت حقًا؛ كانت موجودة في الجذور، وفي الطين، وفي صوتها داخل الشريط، وفي الغضب الذي كان يغلي في عروقي.
في تلك الليلة... ظنت ابنتي أنها باعت منزلي وتركتني بلا مأوى، لكن الحقيقة أنها باعت شيئًا آخر؛ فتحت بابًا للحقيقة، حقيقة حاول كثيرون دفنها لسنوات طويلة. ومع كل اسم بدأ يخرج من تلك الملفات... أدركت أن اسم عائلتي لم يكن مكتوبًا على صك ملكية فقط، بل كان مكتوبًا فوق قبر فُتح للتو.
مددت يدي إلى أول ورقة داخل الصندوق، وبدأت أقرأ أول اسم في القائمة.
وفجأة... عادت ساقاي إلى الارتجاف من جديد؛ لأن الاسم الأول لم يكن اسم فهد، ولم يكن اسم والده، ولم يكن اسم أي شخص من عائلة السهلي... بل كان اسم رجل قضى سنوات طويلة يناديني يا ابنتي...

تم نسخ الرابط