عادت من لندن لتجد ابنتها قد باعت منزلها

لمحة نيوز

باطلة، إذ تؤدي تلقائيًا إلى فتح بلاغ جنائي بتهمة التزوير والاحتيال ومحاولة الاستيلاء غير المشروع على إرث عائلي محمي.
توقفت يداي عن الارتجاف فجأة. أدركت الحقيقة دلال لم تبع منزلي، بل وقّعت اعترافها بنفسها.
لكن بقيت ورقة أخيرة، هذه المرة بخط راشد. فتحتها وبدأت أقرأ
يا هدى... إذا وصلتِ إلى هذه الرسالة فسامحيني. لقد وجدت هذه المستندات بعد وفاة والدك. والدك كذب عليكِ. أمك لم تمت بسبب الحمى. لقُد أُبعدت عن الطريق لأنها رفضت بيع المنزل. وكان المشتري في ذلك الوقت يحمل اسم عائلة السهلي. إذا ظهر هذا الاسم مجددًا يومًا ما... فلا تفتحي الباب وحدك.
السهلي!
شعرت بقشعريرة باردة تسري في جسدي كله.
فهد السهلي... زوج ابنتي. الرجل الذي كانت دلال تدافع عنه وكأنه نعمة نزلت من السماء.
وقفت بسرعة كبيرة حتى إن العم إبراهيم مد يده ليسندني وقال أم راشد... هل أنتِ بخير؟ لكنني لم أجب.
رن هاتفي. كانت دلال. نظرت إلى الشاشة حتى توقف الرنين.
ثم وصلت رسالة أمي... لازم نتكلم. فهد يقول إذا عملتِ مشكلة فالأمور بتصير أسوأ عليك.
ثم رسالة أخرى لا تدخلي محامين بالموضوع. أنا وقعت وكل شيء انتهى.
ثم رسالة من فهد نفسه يا أم هدى... لا تتدخلي في أشياء لا تفهمينها. ابنتك اختارت مستقبلها. لا تجعليها تخسر كل شيء.
ابتسمت دون أن أشعر. أمثاله دائمًا يظنون أن تهديد الأم يجعلها تتراجع، لكنهم لا يفهمون أن الأم المجروحة قد تبدو ضعيفة... حتى يقترب أحد من جذورها.
أخرجت هاتفي واتصلت بابنة أختي نورة ابنة أختي سارة. كانت محامية في الرياض؛ عنيدة، شرسة، ولا تملك ذرة صبر عندما يتعلق الأمر بالظلم.
أجابت فورًا خالتي هدى؟ رجعتي؟ أمي قلقانة عليك لأنك ما تردين.
قلت نورة... أريدك أن تأتي إلى المقبرة حالًا.
صمتت للحظة ثم قالت ماذا حدث؟
نظرت إلى جرة أمي، ورسالة راشد، وصورة الباب الأزرق، وقلت دلال باعت منزلي.
ساد الصمت؛ صمت طويل وثقيل، ثم قالت ماذا تعنين باعت منزلك؟
باعته مع فهد. وغيروا الأقفال. وطردوني من بيتي.
سمعت شهقة حادة عبر الهاتف، ثم قالت لا تتحركي من مكانك.
قلت هناك ما هو أخطر.
أخطر؟
المشتري قد يكون من عائلة السهلي.
هذه المرة طال الصمت أكثر، ثم خفضت صوتها وقالت خالتي هدى... هل قلتِ السهلي؟
نعم.
لا تتحدثي مع أحد. لا توقعي أي ورقة. ولا تذهبي إلى أي مكان وحدك.
هل تعرفين شيئًا؟
تنهدت ثم قالت أمي حدثتني قبل سنوات عن قصة تخص جدتي إلينا... لكننا ظننا أنها مجرد حكاية قديمة.
نظرت إلى قبر راشد وقلت يبدو أن الماضي قرر أن يعود اليوم.
أغلقت الهاتف وبقيت أنظر إلى قبر راشد للحظات طويلة. كان العم إبراهيم قد أعاد اللوح الرخامي إلى مكانه، لكنه سلّمني جميع المستندات داخل حقيبة سوداء ثم قال راشد كان يأتي إلى هنا كل سنة.
نظرت إليه، فأكمل وليس فقط في الأعياد أو المناسبات. أحيانًا كان يجلس هنا ساعات طويلة ويبكي.
شعرت بشيء ينكسر داخل صدري. راشد... ذلك الرجل القوي الذي كنت أظنه لا يخاف شيئًا، كان يحمل كل هذه الأسرار وحده ويخفيها عني كي لا يحطم الصورة التي بقيت في ذهني عن أبي وأمي والمنزل وكل ما بنيت عليه حياتي.
همست لماذا لم يخبرني؟
أغلق العم إبراهيم صندوق أدواته ثم قال لأن الرجال الطيبين يرتكبون أحيانًا أخطاء كبيرة وهم يحاولون حماية من يحبون.
حدقت في القبر وقلت وأحيانًا يتركوننا نحارب وحدنا.
ابتسم ابتسامة خفيفة وأشار إلى الحقيبة السوداء ثم قال لكنه لم يتركك بلا سلاح.
نظرت إلى الحقيبة، وكان محقًا.
بعد أقل من ساعة وصلت نورة. كان شعرها مربوطًا للخلف، وترتدي معطفًا أسود وحذاءً عمليًا. أما ملامحها فكانت ملامح شخص جاء مستعدًا للحرب. عانقتني بحذر شديد وكأنني قطعة زجاج قابلة للكسر، فقلت لها لست مكسورة.
ابتسمت وقالت أعرف يا خالتي. أنتِ غاضبة. والغضب في هذه اللحظة أهم بكثير.
جلسنا داخل سيارتها، وأخرجت جميع الأوراق والصور والرسائل وبدأت تقرأ. ومع كل صفحة كانت ملامحها تتغير؛ من الصدمة... إلى الذهول... ثم إلى غضب حقيقي.
رفعت رأسها أخيرًا وقالت هذه كارثة قانونية بكل معنى الكلمة.
سألتها هل أستطيع استعادة منزلي؟
أغلقت الملف بقوة وقالت خالتي هدى... ليس فقط تستطيعين استعادته، بل نستطيع إدخال كل من شارك في هذه الصفقة إلى السجن.
انقبض قلبي فور سماعي اسم دلال داخل عقلي، وقلت بصوت خافت دلال وقعت بنفسها.
نظرت إليّ نورة، وفي تلك اللحظة لم أرَ ابنة أختي بل رأيت المحامية، وقالت ويمكن توجيه الاتهام إليها أيضًا.
كان اسم ابنتي يؤلمني أكثر من الصفعة. التفت نحو النافذة وبقيت أحدق في الخارج، ثم قلت ربيتها لتكون قوية... لا لتصبح جلادًا.
قالت نورة ربما كان فهد يتلاعب بها.
أجبتها اليد المتلاعب بها ما زالت تؤلم عندما تصفعك.
صمتت نورة ثم أدارت المحرك وقالت سنذهب أولًا إلى موثق أعرفه. الليلة سنثبت كل شيء رسميًا. وغدًا سنبدأ الإجراءات المستعجلة. وأريد نسخة كاملة من عقد البيع المزعوم.
ثم أضفتُ هناك شيء آخر. وأخرجت شريط الكاسيت القديم.
حدقت فيه باستغراب وقالت ومن أين سنجد جهازًا يشغل هذا الأثر التاريخي؟
فكرت فورًا في المنزل، وفي جهاز التسجيل القديم الذي كان يملكه راشد؛ الجهاز الذي كانت دلال تسخر منه دائمًا وتقول إنه يشوه ديكور المجلس. قلت في المنزل.
التفتت إليّ بسرعة خالتي...
أمي تركت هذه الرسالة لي. لن أسمعها داخل مكتب محاماة.
أمسكت نورة المقود بقوة ثم قالت إذًا لن نذهب
تم نسخ الرابط