كان الجميع يصرخ: "أمسكوا بهذه الطفلة! إنها تخطف ذلك الصغير!"
تسجيل مكالمة من موبايله قبل الحادث بنص ساعة. رفع عينيه نحو نادية وكان بيتكلم مع مدام نادية.
انفجر المكان إيه؟!
تراجعت نادية خطوة للخلف كذب! ده كذب!
لكن الضابط قال التسجيل موجود. ضغط زر التشغيل وخرج الصوت واضحًا هذه المرة اتأكد إنه ياكلها كلها... متقلقيش الطفل مش هيحس بحاجة غير بعد شوية... أنا عايزة كل حاجة تخلص النهارده.
تجمدت الدماء في عروق الجميع؛ صوت المرأة كان صوت نادية. سقطت على الأرض تصرخ أنا... أنا كنت عايزة أخوّفه بس! ما كنتش أقصد...
صرخ كريم تقتليه؟!!
انهارت تبكي كنت عايزة أبقى كل حاجة في حياتك! هو كان دايمًا قبلي!
نظر إليها بصدمة كأنه لا يعرفها ده ابني...
في تلك اللحظة فتح باب الطوارئ فجأة، وخرجت الطبيبة بسرعة يا أستاذ كريم!
اندفع نحوها آدم؟!
ابتسمت أخيرًا استجاب، النبض رجع طبيعي.
كاد يسقط من شدة الارتياح، أغمض عينيه للحظة وكأن روحه رجعت له. نظر أولًا إلى سلمى، كانت تبتسم بخجل والدموع في عينيها. اقترب منها وركع أمامها مرة أخرى إنتي مش بس أنقذتيه، إنتي أنقذتني أنا كمان. من النهارده إنتي مش لوحدك.
نظرت إليه بعدم فهم، فابتسم وقال لو تقبلي تبقي جزء من عيلتنا. اتسعت عيناها ولم تعرف ماذا تقول.
أما في الخلف، فكانت الشرطة تضع القيود في يدي نادية؛ هذه المرة لم تكن تبكي، كانت تنظر إلى سلمى فقط بنظرة مليئة بالهزيمة. تم اقتيادها بعيدًا بينما بدأت حياة جديدة لطفلة لم يكن يحميها أحد، وأصبحت فجأة أغلى إنسانة في حياة رجل لم يكن يثق بأحد.
مرّت ثلاثة أشهر، وعاد الهدوء إلى حياة كريم الشريف لكن لم يعد كما كان أبدًا. في فيلته الكبيرة المطلة على النيل لم تعد هناك تلك المسافات الباردة ولا الصمت الثقيل، صار المكان مليئًا بصوت ضحكات صغيرة وصوت خطوات تجري في الممرات.
آدم تعافى تمامًا، وكان يجلس في الحديقة يرسم بألوانه بينما تراقبه الطبيبة من حين لآخر للاطمئنان، لكن هذه المرة لم يكن وحده، بجانبه دائمًا كانت سلمى. لم تعد تلك الطفلة الحافية التي ترتجف من الخوف؛ صارت تذهب إلى مدرسة محترمة، ترتدي زيًا نظيفًا، وشعرها مصفف بعناية، لكنها لم تفقد شيئًا واحدًا قلبها.
في أحد الأيام، كان آدم يركض خلفها وهو يضحك استني يا سلمى!
ضحكت وقالت لو مسكتني هديلك الحلوى!
وقف كريم يراقبهما من بعيد وابتسامة هادئة على وجهه. اقتربت منه مديرة المنزل وسألته حضرتك شايف إن القرار كان صح؟
نظر إلى سلمى وهي تجلس الآن تساعد آدم في الرسم، وقال بثقة ده أحسن قرار خدته في حياتي.
بعد التحقيقات، تم القبض على نادية وحُكم عليها بالسجن بعد ثبوت تورطها في محاولة قتل، أما مروان فاختفى لفترة قصيرة لكن الشرطة تمكنت من القبض عليه لاحقًا. القضية شغلت الرأي العام، لكن أكثر ما بقي في ذاكرة الناس لم يكن الجريمة، بل الطفلة؛ بطلة حافية أنقذت حياة طفل، هذا ما كتبته الصحف. لكن بالنسبة لكريم، هي لم تكن مجرد بطلة.
في مساء هادئ، جلس بجانب سلمى على الشرفة وقال لها بلطف فاكرة أول يوم شفتك فيه؟
ابتسمت بخجل حضرتك كنت زعلان مني.
تنهد كنت أعمى. سكت لحظة ثم أخرج ورقة وناولها لها، فنظرت إليها باستغراب إيه ده؟
قال بابتسامة دافئة ده إثبات إنك بقيتي رسميًا بنتي.
تجمدت، وعيناها امتلأتا بالدموع يعني أنا مش همشي؟
وضع يده على رأسها بحنان إنتي جيتي عشان تفضلي. انفجرت بالبكاء لكنها كانت أول مرة تبكي فيها من الفرح.
في الداخل كان آدم ينادي بابا! سلمى! تعالوا!
نظر كريم إليها وقال يلا، أخوكي مستنينا.
مسكت يده للمرة الأولى دون خوف ودخلت معه؛ لم تعد مجرد طفلة أنقذت حياة، بل أصبحت حياة كاملة بدأت من جديد.
أحيانًا أعظم القلوب تكون في أبسط الناس، واللي اتقال عنها حرامية... طلعت هي اللي أنقذت الحقيقة.
تمت الحكاية