بعد 15 سنة خدمة لأهل جوزي… حماتي طلبت مني أتنازل عن شقتي لأخوه بس الي حصل... بقلم: روضة السيد
سكت. كملت: "كنتوا فاكرين إني كنت قاعدة مستنية حد يديني حاجة؟". حماتي بصت للأرض، لكن المفاجأة كانت لسه جاية. أحمد قال: "ماما كانت فاكرة إن ليها حق في الشقة علشان أنا زوجك". ضحكت بحزن: "زوجي؟ طب فين كان الزوج ده وأنا بشتغل وأنا تعبانة؟ فين كان وأنا بحوش كل جنيه؟ فين كان وأنا بطلب منك تساعدني في مصاريف البيت وتقوللي استحملي؟". ملامحه اتغيرت، يمكن لأول مرة يسمع الكلام اللي كنت بدفنه جوايا سنين. حماتي حاولت تدافع عن نفسها: "أنا كنت فاكرة إنك هتعملي الصح". بصيت لها وقلت: "الصح يا حاجة نوال إن الإنسان ياخد حقه مش حق غيره". سكتت، وبعدين قالت: "بس إحنا عيلة". رديت: "العيلة مش اللي تاخد تعبك وقت ما تحتاجه، العيلة هي اللي تسندك لما تقع".
فضلنا ساكتين شوية، وبعدين أحمد قال: "أنا غلطت يا سمر". بصيت له، كنت مستنية الاعتذار ده من سنين، لكن الغريب إني لما سمعته، ما حسيتش بالفرحة اللي كنت متخيلها، لأن بعض الجروح لما بتفضل وقت طويل... الاعتذار لوحده ما يكفيهاش. قلت له: "عارف يا أحمد إيه أكتر حاجة وجعتني؟ إن حماتك طلبت مني شقتي، لكن اللي كسرني إنك أنت كنت مستعد تديهالها". نزل عينه، ما ردش.
في اللحظة دي دخل أخوه مروان، كان هو العريس اللي كانوا عايزين يجيبوا له الشقة، وقف عند الباب وهو متوتر، قال: "أنا سمعت كل حاجة". بصيت له. قال: "أنا مكنتش أعرف إن الشقة بتاعتك". ابتسمت بسخرية، قلت: "ولا حد كان عايز يعرف". قعد وهو محرج، قال: "أنا آسف يا سمر، أنا كنت فاكر إن الموضوع عادي". بصيت له وقلت: "الموضوع عمره ما كان شقة يا مروان، الموضوع كان إنكم شفتوا تعبي حاجة سهلة تتاخد".
سكت، وفي اليوم ده، خرجت من البيت وأنا حاسة بحاجة غريبة، مش إحساس انتصار، إحساس إني رجعت لنفسي، رجعت لشغلي، رجعت أذاكر تاني، وبدأت أخطط لحياة كنت فاكرة إنها ضاعت. بعد شهر، كنت واقفة في شقتي الجديدة، فتحت الباب بالمفتاح اللي حوشت تمنه سنة ورا سنة، دخلت وأنا بلمس الحيطان، البيت كان صغير، لكن كان أول مكان في حياتي أحس إنه ليّا.
بعدها بأيام، أحمد جه يطلب مني أرجع، قال إنه فهم قيمتي، وإنه مستعد يبدأ من جديد. بصيت له وسألته: "لو رجع الزمن لليوم اللي طلبوا فيه شقتي... كنت هتختارني؟". فضل ساكت، والسكوت كان كفاية. قفلت الباب بهدوء، لأني عرفت إن فيه حاجات لما تنكسر... ممكن تتصلح، لكن مش لازم ترجع زي الأول. وبعد كام شهر، وأنا واقفة في شقتي، ماسكة أول شهادة دراسة رجعت أخدها بعد 15 سنة... ابتسمت، لأن الست اللي كانوا فاكرين إنها اتعودت تكون ضعيفة... كانت طول الوقت بتجهز نفسها علشان تبدأ من جديد.
بعد اليوم ده، حياتي بدأت تاخد شكل جديد. في الأول كان الموضوع صعب، مش هكدب وأقول إن كل حاجة بقت سهلة فجأة. أنا كنت متعودة أصحى علشان أخدم ناس تانية، متعودة أحط نفسي آخر واحدة في كل حاجة. حتى لما بقيت في شقتي، كان فيه إحساس غريب، أقف في المطبخ وأعمل أكل لنفسي، فألاقي نفسي بعمل كمية كبيرة من غير ما أحس، أفتح الدولاب وأرتب هدوم مش موجودة، أسمع صوت الباب وأفتكر إن حد داخل يطلب مني حاجة. سنين طويلة من العطاء ما بتتمسحش في يوم وليلة، لكن الفرق إن المرة دي... كنت بعمل كل حاجة علشاني.
رجعت أكمل دراستي. في البداية ناس كتير استغربت، واحدة عندها 35 سنة وراجعة تدرس؟ لكن أنا كنت عارفة أنا بعمل إيه، أنا مش كنت بدور على شهادة وبس، أنا كنت برجع الجزء اللي ضاع مني، الجزء اللي دفنته وأنا بسمع جملة "البيت أهم من أحلامك". اشتغلت أكتر، وبدأت أوفر من جديد. ابني مالك كان أكتر واحد فرحان بيا، كان يشوفني وأنا بذاكر ويقول: "ماما، أنا فخور بيكي". الجملة دي كانت أغلى عندي من أي حاجة، لأن طول السنين اللي فاتت كنت خايفة ابني يشوف أمه ضعيفة، لكن دلوقتي كان شايف أمه بتبدأ من جديد.
بعد فترة، أحمد حاول يقرب مني تاني، كان بيبعتلي رسايل كتير، مرة يقول "وحشتيني"، ومرة يقول "أنا اتغيرت". وفي مرة جه قدام الشقة، فتحت الباب، لقيته واقف ومعاه ورد، ابتسم وقال: "أنا عارف إني ضيعتك، بس عايز فرصة أصلح اللي عملته". بصيت له وقت طويل، لأن الحقيقة إني كنت فاكرة إني مستنية اللحظة دي، لحظة إنه يعرف قيمتي، لكن لما حصلت... اكتشفت إن اللي كنت محتاجاه مش إنه يندم، كنت محتاجة أعرف أنا أستحق إيه. قلت له: "يا أحمد، أنا سامحتك". بصلي باستغراب، قال: "يعني هنرجع؟". هزيت راسي، وقلت: "المسامحة مش معناها إني أرجع لنفس المكان اللي اتكسرت فيه". سكت. كملت: "أنا مش بكرهك، ولا بكره أهلك، لكن أنا أخيرًا حبيت نفسي". الكلام ده كان صعب عليه، لكن كان لازم يتقال.
بعدها بأيام، قابلت الحاجة نوال بالصدفة، كانت مختلفة، مش الست القوية اللي كانت بتأمرني، كانت ست تعبانة. وقفت قدامي وقالت: "أنا ظلمتك يا سمر". الجملة دي استنيتها سنين، لكن بدل ما أحس بالشماتة، حسيت بالهدوء. قلت لها: "أيوه يا حاجة نوال، ظلمتيني، لكن أكتر حد ظلمتيه كان ابنك، لأنك علمتيه إن تعب الناس حق مكتسب". دموعها نزلت، قالت: "تفتكري تقدري تسامحيني؟". قلت: "أنا سامحتك علشان أرتاح أنا، مش علشان أنسى اللي حصل". مشيت وسيباها واقفة.
بعد سنة، كنت واقفة في افتتاح مشروعي الصغير، مخبز خاص بيا، المكان اللي حلمت بيه وأنا بنت. ريحة العيش والحلويات مالية المكان، والغريب إن الحاجة اللي كانت سبب ضعفي زمان... بقت سبب قوتي. وقفت قدام الباب وأنا ماسكة أول رغيف طلع من الفرن، افتكرت البنت الصغيرة اللي كانت بتحلم تدخل كلية التمريض، افتكرت الست اللي كانت بتبكي وهي بتغسل هدوم مش هدومها، افتكرت اليوم اللي قالولي فيه إن مكاني على جنب، وابتسمت. لأنهم كانوا فاكرين إنهم لما منعوني من حلمي... خلصوا عليا، لكن الحقيقة إنهم كانوا بيبنوا فيا قوة أنا ما كنتش أعرف إنها موجودة.
أنا ما أخدتش شقتي بس، أنا أخدت حياتي، والنهاردة لما حد يسألني إيه أكتر قرار غير حياتك؟ بقول: "اليوم اللي بطلت أستنى حد يديني قيمتي... وعرفت إن قيمتي كانت موجودة من البداية".
تمت.