سقطت طالبة في ممر المدرسة
المحتويات
يسعدني.
وكان ذلك صحيحًا أكثر مما استطعت التعبير عنه.
وفي إحدى الأمسيات، قبل العطلة الربيعية بقليل، حدث أمر لم أكن أتوقعه. كنت أغلق نوافذ قاعة الحاسوب بعد انتهاء الدوام، وفجأة سمعت أصواتًا في الممر. لم تكن أصوات خوف ولا شجار، بل ضحكات. في البداية ظننت أن بعض الطلاب يفعلون شيئًا لا ينبغي لهم فعله، فخرجت حاملاً مفاتيحي مستعدًا لأن أطلب منهم التوقف، لكنني توقفت في مكاني.
خمسة طلاب كانوا يحيطون بعاملة النظافة التي تنظف السلالم كل مساء، ولم يكونوا يسخرون منها، بل كانوا يساعدونها؛ أحدهم يحمل صندوقين، وآخر يثبت الباب، وطالبة تقول انتبهي... هذا الصندوق ثقيل.
رفعت عاملة النظافة رأسها نحوي، وكانت نظرتها تقول إنها هي أيضًا لا تفهم تمامًا ما الذي يحدث. واصلت السير بهدوء ولم أقل شيئًا، فهناك لحظات جميلة تنكسر إذا أشرنا إليها كثيرًا.
في تلك الليلة، عندما عدت إلى شقتي الصغيرة، لم أشغل التلفاز. جلست في المطبخ؛ كانت شقتي متواضعة طاولة صغيرة، كرسيان، صورة قديمة معلقة على الجدار، ونبتة ما زالت تقاوم الموت بعناد رغم قلة العناية.
أخرجت أول رسالة من جيبي شكرًا لأنك انتبهت، قرأتها مرة أخرى، ثم فتحت صندوقًا معدنيًا قديمًا فوق الخزانة كان يحتوي على أشياء لم ألمسها منذ سنوات طويلة؛ شارة قديمة، وصورة مطوية، ومنديل، ودفتر صغير يحمل أسماء تعود إلى حياة أخرى.
طوال سنوات كثيرة كنت أعتقد أن التذكر أمر خطير، وأن فتح هذا الصندوق يعني إعادة كل الضجيج إلى رأسي من جديد. لكنني في تلك الليلة لم أشعر بالألم وحده، شعرت بالامتنان أيضًا، لأن هذه اليدين المتعبتين اللتين حاولت إخفاءهما طوال تلك السنوات ما زالتا قادرتين على فعل شيء مفيد؛ ليس إنقاذ الجميع، فهذا درس تعلمته منذ زمن طويل، لكن على الأقل عدم المرور بجانب من يحتاج المساعدة.
ومع اقتراب نهاية العام الدراسي، قررت المدرسة إقامة حفل صغير. وعندما أخبروني بالأمر سألت فورًا
هل تريدون مني ترتيب الكراسي؟
ابتسمت السكرتيرة وقالت
لا يا عمو أبو علي... هذه المرة عليك أن تجلس على أحدها.
أثار ذلك شكوكي، لكنني ذهبت رغم ذلك. وعندما دخلت قاعة النشاطات وجدتها ممتلئة؛ طلاب، ومعلمون، وموظفو المدرسة. وكان مصطفى واقفًا في أحد الجوانب، كما كانت زهراء موجودة هناك أيضًا.
ثم صعدت إلى المنصة وهي تحمل ملفًا أزرق بيدها، وبدأت تتحدث. وقفت زهراء على المنصة وهي تمسك الملف الأزرق بيديها، وكانت تنظر إلى الحضور بهدوء لم يكن موجودًا فيها من قبل، ثم بدأت الكلام
هذا العام الدراسي كاد أن ينتهي بالنسبة لي قبل أن يبدأ.
ساد الصمت فورًا داخل القاعة. تابعت
لا أريد أن أتحدث عن الخوف، تحدثت عنه كثيرًا من قبل. أريد أن أتحدث عن شيء تعلمته بعد ذلك. أخذت نفسًا عميقًا ثم قالت تعلمت أن شخصًا واحدًا يمكن أن ينقذ حياتك في دقيقة واحدة، لكن يمكنه أيضًا أن يغير طريقتك في رؤية العالم لأشهر طويلة بعد ذلك.
ثم نظرت نحوي مباشرة، وتمنيت في تلك اللحظة لو أستطيع الاختفاء كما كنت أفعل دائمًا، لكن ذلك لم يعد ممكنًا. قالت
عمو أبو علي لم يساعدني في ذلك اليوم فقط، بل علّم كثيرين منا أن الانتباه إلى الناس شكل من أشكال الاهتمام بهم. ارتجف صوتها قليلًا ثم أضافت وعلّمنا أيضًا أن لا أحد يجب أن يكون مجرد جزء من المشهد.
بعدها أشارت بيدها نحوي وقالت
عمو أبو علي... تفضل.
هززت رأسي رافضًا، لكنها أصرت. وعندما تدعوك فتاة نجت من يوم كاد يغيّر حياتها كلها، يصعب أن ترفض. صعدت إلى المنصة ببطء، وكالعادة أطلقت ركبتاي اعتراضهما المعتاد، فابتسم بعض الحاضرين. أما زهراء فقد سلمتني الملف الأزرق؛ لم يكن شهادة رسمية، ولا درعًا تكريميًا، ولا أي شيء فاخر، بل ملفًا عاديًا انثنت إحدى زواياه قليلًا. فتحته، فوجدت داخله عشرات الصفحات رسائل قصيرة، رسومات، كلمات شكر، ذكريات، واعتذارات. وفي الصفحة الأولى كُتب إلى عمو أبو علي... الذي كان منتبهًا دائمًا.
لم أستطع إكمال القراءة، ليس هناك، وليس أمام كل هؤلاء الناس. ثم اقتربت زهراء وعانقتني؛ في البداية بقيت متجمدًا في مكاني، ثم رفعت ذراعي ببطء وعانقتها أيضًا بحذر شديد، كما يعانق الإنسان شيئًا كان على وشك أن يفقده.
بعدها بدأ التصفيق؛ تصفيق طويل، وكبير، وطويل أكثر مما اعتدت عليه، فأنا رجل اعتاد سماع صوت المفاتيح أكثر من صوت التصفيق. وعندما نزلت عن المنصة وضع مصطفى يده على كتفي وقال
هل أنت بخير؟
هززت رأسي، لكن الحقيقة أنني لم أكن بخير تمامًا... وربما لا بأس بذلك، فأحياناً يكون عدم الاكتمال جزءًا طبيعيًا من الاستمرار في الحياة.
جاء آخر يوم دراسي، وكانت المدرسة تفوح منها رائحة الصيف، ورائحة الحقائب الفارغة، ورائحة الحرية التي يشعر بها الطلاب مع بداية العطلة. كان الجميع يغادرون بسرعة، وكأن العالم كله أصبح ملكهم لشهرين كاملين.
مرت زهراء من الباب الرئيسي برفقة والدتها. كانت والدتها قد شكرتني مرات كثيرة خلال الأشهر الماضية؛ بطرق مختلفة، وبكلمات كثيرة، حتى إنني لم أعد أعرف كيف أرد عليها. لكنها في ذلك اليوم لم تبكِ ولم تتأثر، اكتفت بأن قالت
أتمنى لك صيفًا جميلًا يا أبو علي.
ابتسمت وقلت
ولكم أيضًا.
اقتربت زهراء مني وقالت
سأعود في أيلول.
قلت
أتمنى ذلك، فما زلت أحتاج إلى توبيخك بسبب تلك
متابعة القراءة