سقطت طالبة في ممر المدرسة
المحتويات
تشعروا بالذنب. الخوف يشل الإنسان، وقد شلني أنا أيضًا في أوقات كثيرة من حياتي.
ساد الصمت في القاعة، ثم أضفت
لكن هناك شيء أسوأ من الخوف.
نظرت إلى الطلاب في الصفوف الأخيرة وقلت
أن يعتاد الإنسان ألا يرى.
لم يتحرك أحد، ولم يصدر أي صوت. تابعت
في هذه المدرسة أشخاص ينظفون الممرات، ويصلحون الأعطال، ويفتحون الأبواب، ويوزعون الطعام، ويرتبون الصفوف، ويجمعون ما يتركه الآخرون خلفهم. أشخاص تقول لهم صباح الخير أحيانًا... وأحيانًا تمر بجانبهم وكأنهم غير موجودين.
لاحظت أن بعض الرؤوس انخفضت نحو الأرض، فقلت
لا أقول هذا من أجلي. في عمري هذا تعلم الإنسان أن يتعايش مع أشياء كثيرة. أقول ذلك من أجلكم أنتم. ابتلعت ريقي وأكملت لأنكم إذا قضيتم حياتكم تنظرون فقط إلى من يبدو مهمًا، فسوف تفوتكم معرفة الكثير من الناس الطيبين.
لا أعرف كم استغرق كلامي، ربما خمس دقائق وربما أقل، لكنها بدت لي ساعة كاملة. وعندما انتهيت لم يصفق أحد في البداية، وللحظة واحدة ظننت أنني أطلت الحديث أكثر مما ينبغي. ثم وقفت زهراء، وصفقت وحدها. بعدها وقف طالب آخر، ثم ثالث، ثم بدأت القاعة كلها تصفق.
خفضت رأسي، ليس لأنني شعرت أنني بطل، بل لأنني تذكرت كل السنوات التي كنت أتمنى خلالها أن أكون غير مرئي، وأدركت للمرة الأولى أن الاختفاء ليس هو السلام دائمًا.
بعد انتهاء المحاضرة بدأ شيء صغير يتغير داخل المدرسة. لم يكن التغيير كاملًا، فلا شيء بشري يكون كاملًا؛ ما زالت الأوراق تُرمى على الأرض، وما زالت بعض قطع العلكة تلتصق بالأماكن التي لا يجب أن تلتصق بها، وما زال بعض الطلاب يركضون في الممرات وكأن الحياة كلها تطاردهم. لكن شيئًا ما تغير فعلًا.
اقترحت مجموعة من الطلاب تعليق لوحات توعوية في أنحاء المدرسة. لم تكن لوحات جميلة أو احترافية، بل كانت بسيطة جدًا؛ حروف كبيرة مكتوبة يدويًا، لكنها كانت صادقة.
إحدى اللوحات كُتب عليها لا تصور... ساعد، وأخرى اترك مساحة للمصاب، وثالثة أبلغ شخصًا بالغًا، ورابعة اسأل هل أنت بخير؟. قمنا بتعليقها قرب الخزائن، وفي الساحة، وبجوار غرفة الإسعافات الأولية.
وكانت زهراء تساعد في تثبيت أول لوحة. وقفت تنظر إليها طويلًا، ثم قالت بصوت منخفض
أشعر بالإحراج.
سألتها
لماذا؟
قالت
لأن كل هذا بسببي.
هززت رأسي نافيًا وقلت
لا. كل هذا بفضلك.
نظرت إليّ باستغراب
أنا فقط سقطت على الأرض.
قلت
ومع ذلك علمتِ الجميع درسًا لن ينسوه.
لم تجب، لكن عينيها امتلأتا بشيء يشبه الدموع، وهناك دموع لا تحتاج إلى أن تسخط حتى تقول كل ما تريد قوله.
مرت الأسابيع، وجاء الشتاء إلى بغداد، وأصبحت الصباحات أبرد من المعتاد. كنت أفتح الباب الرئيسي كل يوم قبل شروق الشمس بقليل، وكانت المدرسة تفوح منها رائحة أجهزة التدفئة القديمة والأرضيات المبللة وسندويشات الطلاب الملفوفة بورق الألمنيوم. وكانت حياتي ما تزال بسيطة، أو هكذا كنت أحاول أن أقنع نفسي، لكنها لم تعد كما كانت.
في إحدى الصباحات وجدت ورقة صغيرة فوق طاولتي. لم يكن عليها اسم ولا توقيع، كانت تحتوي على جملة واحدة فقط شكرًا لأنك انتبهت. طيّتها بهدوء ووضعتها داخل الدرج.
في اليوم التالي وجدت ورقة أخرى مكتوب فيها جدي أيضًا كان غير مرئي بالنسبة لكثير من الناس... واليوم اتصلت به.
هذه المرة جلست على الكرسي وبقيت أحدق في الورقة لبعض الوقت. فكرت في والدي، الرجل الذي أمضى عمره كله يعمل بيدين متشققتين من التعب، ثم رحل دون أن يعرف معظم الناس كم فعل من أجلهم. هناك أشخاص يحملون بيوتًا كاملة فوق أكتافهم، ومع ذلك لا يظهرون في أي صورة، وربما لهذا السبب تأثرت كثيرًا.
أما الورقة الثالثة فكانت مختلفة؛ كان ملتصقًا بها نوع من الحلوى الصغيرة، وكُتب فيها عمو أبو علي... أعتذر لأنني كنت أناديك بالعصبي. ابتسمت رغماً عني، فهذا اللقب سمعته عشرات المرات. احتفظت بهذه الورقة أيضًا، ومع حلول شهر كانون الثاني كان الدرج قد امتلأ تقريبًا.
عاد مصطفى إلى المدرسة أكثر من مرة؛ كان يقيم ورشات تدريبية للطلاب والمعلمين، يعلمهم الأمور الأساسية التي يجب أن يعرفها أي شخص حتى لا يقف عاجزًا عندما يحتاجه أحد. أما أنا فكنت أقف دائمًا في الخلف، لكنني لم أعد مختبئًا كما كنت سابقًا.
وفي أحد الأيام، بينما كنت أعيد ترتيب بعض الكراسي بعد انتهاء إحدى الورش، بقي مصطفى معي، ثم قال
هذا الأمر يليق بك.
نظرت إليه باستغراب
أي أمر؟
ابتسم وقال
أن يستمع الناس إليك.
ضحكت ضحكة قصيرة وقلت
في عمري هذا لم يعد يليق بي شيء تقريبًا.
هز رأسه معترضًا، فقلت
هذه هي الحقيقة. ركبتي تصدر أصواتًا كلما صعدت الدرج، وظهري يشتكي باستمرار، وكل مرة أنحني فيها لألتقط شيئًا أحتاج إلى مفاوضات طويلة مع نفسي حتى أقف من جديد.
ضحك مصطفى ثم عاد إلى الجدية وقال
زهراء أخبرتني أنها تريد دراسة تخصص يساعد الناس.
تفاجأت
زهراء؟
نعم. تقول إنها كانت تريد أن تمر في الحياة دون أن يلاحظها أحد، أما الآن فلم تعد تريد ذلك.
نظرت نحو الممر؛ كانت زهراء تتحدث مع زميلتين قرب الخزائن. لم تبدُ مختلفة كثيرًا؛ ما زالت هادئة، وما زالت تحمل حقيبة تبدو أثقل من اللازم، لكن شيئًا ما تغير فيها؛ كانت تقف بثقة أكبر، وكأنها لم تعد تعتذر عن وجودها في المكان. قلت
هذا
متابعة القراءة