حماتي احتلت بيتي بقلم: صابرين محمد
كنت بدفع نصيب كبير، وأنا صاحبة الورق اللي خبيتوه، وأنا صاحبة الطلب اللي ضيعتوا مواعيده... دي أنا.
صاحت بغضب إحنا سرقنا إيه؟ قلت سرقتوا حقي إني أعرف مصيري، وسرقتوا أوراقي، وسرقتوا فرصة كان ممكن تغير حياتي، وكل ده لأنكم كنتم فاكرين إني هفضل طول عمري محتاجة لكم. دخل محمد بسرعة وهو بيعيط نادية... بالله عليكي متكبريش الموضوع، أنا هصلح كل حاجة، وممكن نقول إن الخطابات ضاعت. ضحكت بمرارة ضاعت؟ ضاعت تحت مرتبة أمك؟ ما ردش، وسامعة صوته وهو بيبكي وقال أنا آسف... والله أنا آسف.
قلتله فاكر أول شتاء عشنا فيه هنا؟ فاكر لما التدفئة عطلت، وأنا نزلت أشتغل شيفتات زيادة تلات أسابيع، ولما كنت برجع رجليا متورمة من الوقفة، وإنت كنت تمسكها تدفيهالي وتقول إننا هنعدي كل ده سوا؟ قال أيوه يا نادية... قلت ودموعي نزلت وقتها افتكرت إن ده حب... ويمكن كان حب فعلًا، لكن في يوم من الأيام، بقيت تحب الست اللي بتتعب عشانك أكتر من حبك للست نفسها، وبقيت خايف إنها تقف على رجليها.
قلتله آخر كلمة بهدوء أنا مش بفكر ألجأ للقانون عشان أمك أهانتني... أنا بفكر ألجأله لأنكم الاتنين حاولتوا تحرموني من حقي، وتخلوني عاجزة قدام القانون، ومربوطة بيكم غصب عني. صرخت الحجة خديجة هتروحي تشتكينا بإيه يعني؟ قلت بكل حاجة عملتوها. وقفلت المكالمة.
أول اتصال عملته كان للمستشفى، حكيت لمسؤول شؤون العاملين، وبعدها اتصلت بالمحامي. قبل المغرب، كنت مجمعة كل الصور والملف متصور بالكامل. رجعت شقتي الجديدة، الشقة كانت صغيرة، مرتبة على الأرض، كرسي واحد، حلتين في المطبخ، لكن أول ما قفلت الباب، حسيت بحاجة عمري ما حسيتها قبل كده الأمان. محدش معاه نسخة من المفتاح، ومحدش هيقدر يمد إيده على ورقة تخصني تاني.
في الساعة تسعة وتمانشر دقيقة، وصلني فويس جديد من أخت محمد. قالت بصوت مكسور يا نادية... والله العظيم أنا مكنتش أعرف إن محمد وأمي مخبيين عنك أوراقك. إحنا كل اللي اتقال لنا إنك رميتي ست كبيرة في الشارع عشان تعيشي حريتك. لكن محمد كلم أخويا وهو منهار، وقال إن الموضوع ممكن يوصل للشرطة. سكتت شوية وقالت دي مش أول مرة تعمل كده. قبل ما محمد يتجوزك، كان متقدم لبنت شغالة في التمريض زيك. أمي وقتها خبت شهاداتها وأوراقها، وكانت بتقول إن الست لما يبقى معاها شغل وفلوس هتتمرد على جوزها. البنت فسخت الخطوبة.
يعني أنا مكنتش أول واحدة، ولا أول ست تتسرق أوراقها. بعتتلي صورة قديمة لبنت واقفة قدام قسم شرطة، عينيها حمرا من العياط، ومع كده كانت رافعة راسها. وتحت الصورة كتبت اسمها مريم... ولسه معايا رقمها لو حبيتي تكلميها. ضغطت على الرقم واتصلت. قالت بحذر ألو؟ قلت أنا نادية... مرات محمد. ساد صمت طويل، وبعدها سألتني بصوت واطي متقوليش... هي خبت جواز سفرك وأوراقك إنتِ كمان؟ غمضت عيني وقلت أيوه. سمعت زفير طويل خرج منها وقالت احتفظي بكل حاجة يا نادية... الناس دي بتعيش على حاجة واحدة... إنها تقنعنا إننا لوحدنا، وإن محدش هيصدقنا. همست وأنا ببص للملف بس أنا... مبقتش لوحدي.
في صباح اليوم التالي، شفت محمد واقف عند مخرج المستشفى، ماسك باقة ورد وكيس فطاير، نفس الفطاير اللي كنت بحبها. زمان كان المنظر ده كفيل يوقع قلبي من مكانه، لكن وأنا ببصله، ما شوفتش الراجل اللي حبيته، شوفت راجل متخيل إن كام وردة وفطيرة يقدروا يمحوا اللي اتكسر جوايا. اتحرك ناحيتي وقال نادية... بالله عليكي اسمعيني دقيقة. رفعت إيدي ووقفته المحامي نبه عليا إن أي كلام بينا يبقى بعلمه.
قال أنا مش خطر عليكي... أنا محمد... جوزك. قلت بقيت خطر عليا من اللحظة اللي وافقت فيها إن جواز سفري يتخبى تحت مرتبة أمك. نزل بعينه على الورد وقال أنا خرجت أمي من البيت... وهي دلوقتي قاعدة عند ابن عمي. قلت بهدوء كويس... يمكن تعرف هي كمان يعني إيه تبقى ضيفة في بيت حد.
رجع خطوة لورا وقال وهو بيبكي والله يا نادية أنا أستحق كل كلمة بتقوليها... ولو الزمن رجع بيا، كنت هختارك إنتِ، مش خوفي من أمي. تنهدت وقلت إنت تستحق أكتر من كده يا محمد، لكن أنا تعبت... تعبت من الوجع، وتعبت من المسامحة. قال يعني مفيش أمل؟ في لحظة واحدة عدت قدام عيني كل الذكريات، وبعدها افتكرت جواز سفري وهو مدفون تحت مرتبة أمه، وساعتها فهمت إن الذكرى الحلوة مستحيل تعيش فوق وجع الإهانة. بصيتله وقلت كلمة واحدة لأ.
سال الدمع من عينه طب استني... بلاش الطلاق. قلت وأنا حاسة إن قلبي بيتقطع أنا استنيت كتير يا محمد... استنيت اليوم اللي أحس فيه إن بيتي أمان، وإن حياتي ملكي، لكن اليوم ده عمره ما جه. همس أنا كنت بحبك. والحقيقة إني صدقته، وده كان أكتر جزء وجعني، لأن الخيانة لما تيجي من واحد كنت متأكدة إنه بيحبك، بتسيب جرح عمره ما بيقفل.
قلتله وأنا كمان حبيتك يا محمد... لكن مبقاش ينفع أحبك أكتر من حبي لنفسي، ولا أضحي بكرامتي ومستقبلي علشان أفضل عايشة في حياة فقدت فيها الأمان. وصلت العربية اللي كانت النقابة باعتاها، فعديت من جنبه من غير ما آخد الورد، ولا
الفطاير، وكملت طريقي. يمكن خسرت جواز، وبيت، وسنين من عمري، لكن لأول مرة محستش إني ضايعة. لأن الإنسان يقدر يبدأ من الصفر، لكن عمره ما يقدر يعيش من غير كرامة.