جوزي حط لابني يوسف طبق الفراخ قدامه وقعد يضحك ويهزر معاه
المحتويات
غير ما يقول لأي حد، لا ليا ولا لأمه ولا حتى لأقرب الناس ليه، لأنه كان مقتنع إنه بعد ما النتيجة تطلع هيكتشف إن كل مخاوفه كانت مجرد أوهام، وإنه هيضحك على نفسه بعد كده لأنه سمح لفكرة مجنونة تدخل دماغه أصلًا.
لكن اللي حصل كان العكس تمامًا؛ النتيجة طلعت، والنتيجة مكنتش فيها أي مساحة للشك يوسف مش ابنه.. يوسف ابن أخوه.
في اللحظة دي سكت المحامي شوية، أما أنا فحسيت إن الكرسي اللي قاعدة عليه بيميل بيا، وإن الهواء جوه المكان بقى تقيل بشكل غريب، لأن الصدمة مكانتش عند أحمد لوحده، كانت عندي أنا كمان، يمكن بشكل مختلف لكن بنفس القسوة، لأني طول السنين دي كلها عمري ما شكيت لحظة واحدة في أي حاجة، وعمري ما تخيلت إن حقيقة بالشكل ده ممكن تكون مستخبية تحت عمر كامل عشنا فيه كلنا مقتنعين بحاجة تانية تمامًا.
المحامي كمل كلامه وقال إن أحمد بعد النتيجة رفض يصدق؛ رجع أعاد الفحوصات، وراجع التقارير، وكلم أكتر من جهة، وسأل أكتر من طبيب، ودفع فلوس كتير علشان يتأكد، وفي كل مرة كان بيرجع بنفس النتيجة، نفس الحقيقة، نفس الصدمة، ونفس الألم. وقال إن الفترة دي كانت من أصعب الفترات اللي مرت على أحمد، لأنه كان حاسس إن عمر كامل بيتفكك قدامه حتة حتة، وإن الذكريات اللي عاشها والسنين اللي قضاها مع يوسف بقت داخلة في دوامة أسئلة ملهاش آخر.
لكن المشكلة إن الصدمة مكانتش آخر حاجة اكتشفها، كانت مجرد البداية، لأن بعد أسابيع من البحث والتفكير والغضب، بدأ يراجع ملفات أخوه القديمة، وخصوصًا الملفات المرتبطة بالممتلكات والأراضي وبعض الإجراءات القانونية اللي كانت متوقفة من سنين طويلة، وهناك اكتشف حاجة تانية قلبت حياته كلها رأسًا على عقب. أخوه قبل وفاته كان سايب ثروة ضخمة جدًا؛ أراضي، واستثمارات، وحصص في شركات، وممتلكات كتير فضل جزء كبير منها متجمد قانونيًا لسنوات بسبب إجراءات ناقصة ونزاعات وتأجيلات. لكن مع مرور الوقت بدأت الملفات تتقفل واحدة واحدة، وبدأت الإجراءات تكتمل، وبدأت الحقوق ترجع لأصحابها. وهنا ظهر اسم الوريث الشرعي الأول يوسف.. ابني.
الطفل اللي كان وقتها نايم على سرير المستشفى ومش عارف إن حياة ناس كبار حوالينه كلها بتتغير بسبب اسمه. المحامي قال إن التحقيقات بعد القبض على أحمد كشفت حاجات كتير؛ كشفت إنه في البداية حاول يدور على أي طريق قانوني يوصله للثروة، وحاول يلاقي ثغرات، وحاول يثبت أحقيته في جزء أكبر، وحاول يقنع نفسه إن من حقه ياخد مقابل السنين اللي ربي فيها يوسف. لكن كل المحاولات كانت بتنتهي بنفس الحقيقة إن القانون واضح، وإن يوسف هو الوريث المباشر، وإن أغلب الثروة هتروح له.
ومن اللحظة دي بدأ التغيير الحقيقي. في الأول كان موجوع، وده شيء طبيعي، لكن المشكلة إن الوجع لما بيتساب من غير علاج ساعات بيتحول لحاجة تانية أخطر بكتير. بدأ أحمد يبص ليوسف بطريقة مختلفة، مش في يوم وليلة، ولا مرة واحدة، لكن بالتدريج؛ بقى يقعد ساكت وهو بيتفرج عليه، بقى يسرح وهو بيكلمه، بقى يختلق مشاكل على أتفه الأسباب، بقى يتعصب من حاجات كان زمان بيضحك عليها، وبقى يقضى ساعات طويلة لوحده من غير ما يكلم حد.
ولأول مرة وأنا قاعدة قدام المحامي بدأت أفتكر كل التفاصيل الصغيرة اللي تجاهلتها وقتها؛ افتكرت إنه بقى يسأل عن الميراث كتير، وافتكرت إنه بقى يرجع البيت متوتر، وافتكرت إنه بقى يبعد عن يوسف أوقات من غير سبب، وافتكرت النظرات اللي كنت بشوفها وأقنع نفسي إنها مجرد ضغط شغل أو تعب أو مشاكل عادية، لكنها مكانتش عادية، ولا عمرها كانت عادية.
المحامي بصلي وقال بصوت هادي في الأول كان شايفه ابنه... وسكت ثانية، ثم أكمل ...وبعدين بدأ يشوفه سبب خسارته.
الجملة دي وجعتني أكتر من أي حاجة سمعتها طول اليوم، لأنها كانت الحقيقة كلها في سطر واحد. الراجل اللي شال يوسف على كتفه، والراجل اللي أخده المدرسة بإيده، والراجل اللي فضل سنين يسمع منه كلمة بابا، نسي كل ده، أو على الأقل سمح للطمع إنه يغطي عليه.
الجزء الخامس النهاية والعدالة
رجعت المستشفى بعدها وأنا مش حاسة بالطريق، كل خطوة كانت تقيلة، وكل ذكرى كانت بتمر قدام عيني زي شريط طويل ملوش نهاية. وأول ما دخلت أوضة يوسف لقيته صاحي؛ كان لسه مرهق ولسه شاحب، لكن أول ما شافني ابتسم الابتسامة الصغيرة اللي طول عمرها كانت بتفكك كل وجعي وقال ماما. كلمة واحدة بس، لكنها كانت كفاية تخليني أبكي. قعدت جنبه، ومسكت إيده، وبصيت لوشه، وفضلت أتأمله لدقايق طويلة.
وفي اللحظة دي افتكرت إن الراجل اللي حاول يقتله كان في يوم من الأيام بيسهر جنبه لو سخن بالليل، وبيجري بيه على المستشفى لو اتخبط، وبيشتريله لعب من غير مناسبة لمجرد إنه شافه مبسوط بيها. وساعتها فهمت إن أخطر حاجة ممكن تحصل للإنسان مش إنه يكره، لكن إنه يسمح للطمع يدخل قلبه، لأن الكراهية أحيانًا بتكون لحظة غضب، أما الطمع فبيشتغل في هدوء، بياكل صاحبه حتة حتة، ويغيره حتة حتة، لحد ما في يوم يبقى شخص تاني خالص من غير ما يحس.
وبعد شهور بدأت المحاكمة، والأدلة كانت واضحة بشكل مفيهوش مجال
متابعة القراءة