بعد 12 ساعة شغل بقلم: علي أبو الدهب
الأرض. سيف وقف مكانه كأنه اتجمد أنا كنت هنا قبل كده. طارق اتراجع لورا خطوة ده كلام إيه ده؟! لكن مروة كانت بتبص للصورة وهي بتترعش مش بس شبهه.. ده نفس العيون.. نفس العلامة اللي فوق الحاجب. الحاجة نادية قفلت الدفتر بسرعة كفاية اللي فات مات. لكن الصوت اللي تحت السلم ارتفع، وكان واضحًا يقول ارجعوا.. اتقالت بأكتر من صوت. سيف ابتسم وقال هو زعلان مني عشان اتأخرت.. أنا الكبير.
الحاجة نادية قالت أخطر جملة اللي تحت السلم مش مكان مدفون.. ده نسخة قديمة من البيت ده.. وسيف مش أول مرة يعيش هنا، هو مجرد رجوع لذكرى حصلت قبل ما البيت يبقى زي ما هو دلوقتي. الضوء ابتلع السلم كله، وبقى المكان كأنه معلّق بين حالتين لا فوق ولا تحت. لحظة صمت كاملة وبعدها وقعنا كلنا خطوة واحدة لقدّام من غير ما نحس.
ولما فتحت عيني، الأوضة كانت نفسها لكن مختلفة؛ الدولاب اختفى، الصورة القديمة اختفت، والأرض رجعت خشب عادي مفيش غطا ولا سلم. بس في حاجة واحدة كانت لسه موجودة سيف، واقف في نص الأوضة، ساكت وباين عليه أكبر من سنه في النظرة. مروة همست إيه اللي حصل؟ إحنا طلعنا؟ ولا هو اللي رجع؟ الحاجة نادية قعدت على طرف السرير ببطء ولا ده ولا ده.
طارق بص لسيف إنت مين؟
سيف بص له بهدوء أنا سيف بس مش أول مرة أكون هنا.. كل مرة البيت يقفل الباب بينسى جزء، وأنا الجزء اللي بيتسيب بره عشان يرجع لما الباب يتفتح.
الحاجة نادية اتكلمت بصراحة كاملة البيت ده كان معمول عشان يحفظ تكرار نفس اللحظة؛ لحظة فقد كانت بتحصل كل مرة، بنفس الشكل لحد ما حد قرر يقفلها جوه الزمن. سيف كمل بصوت واطي وكل مرة، في طفل بيبقى هو المفتاح بس بينسى إنه المفتاح. وفجأة سمعنا صوت خفيف جدًا، وبدأ يظهر مكان السلم القديم تاني مجرد خط رفيع في الأرض. سيف قال المرة الجاية مش هبقى لوحدي جوه. الحاجة نادية قالت يبقى لازم اللي فتحه الأول يقفله صح المرة دي.. وبصتلي.
النهاية وإغلاق الباب للأبد
سيف فضل واقف قدام الخط الرفيع اللي في الأرض. الحاجة نادية راحت وحطت إيدها على الأرض وقالت كل مرة الباب بيتفتح، بيختار حد يفتكره ومين ينسى.
بصيت لها ومين لازم ينسى؟ سكتت لحظة، وبعدين ردت اللي عاش اللحظة الأولى.. أنا اللي قفلت الباب أول مرة وأنا اللي فضلت عايشة مع أثره. سيف قرب منها وقال لو اتقفل صح هبقى أنا بس سيف. الحاجة نادية بصت له وعيونها فيها حزن وراحة وإنت عايز تكون مين؟ سيف رد ببساطة عايز أبقى طفل عند أمي.
الجملة دي خلت الأوضة كلها تسكت، ومروة دموعها نزلت من غير صوت. الحاجة نادية حطت إيديها على الخط اللي في الأرض اللي يتقفل لازم يتقفل من غير ما يتساب أي ذكرى ناقصة وإلا هيرجع يطلب يكمل نفسه.. سامحوني عشان أول مرة أقفله غلط.
وبعدين الأرض كلها سكتت. الخط الرفيع في الأرض اختفى ببطء، كأنه بيتقفل من جوه مش من بره. النور رجع عادي في الأوضة، الدولاب رجع مكانه، والصورة رجعت زي ما كانت صورة عيلة عادية.
وسيف بقى طفل خمس سنين زي أي طفل، واقف يبص حوالينه مش فاهم حاجة، وبعدين جري عليا وحضني ماما أنا جعان. ضحكت ودموعي في عيني تعالى نأكل.
ومن ساعتها مفيش سلم اتفتح تاني، بس أحيانًا بالليل، كنت بحس إن الأرض بتتنفس تحت رجلي للحظة وبترجع تهدى.. كأن البيت فاكر بس اختار يسكت.