​خدامة حماتي ​بقلم: أماني سيد

لمحة نيوز

سوسن.. أنا موافق على اللي إنتِ عايزاه، ومش هجبرك تنزلي تاني ولا هعملك مشكلة.. بس بشرط واحد، وبصيلي في عيني وإنتِ بتجاوبيني.. تحكيلي حالا بالظبط إيه اللي حصل تحت؟ سوسن اللي أنا متجوزها وعارف طيبتها وأصلها مستحيل تقلب القلبة دي من الباب للطاقة لمجرد إنها تعبت، في كلمة اتقالتلك، في حاجة كبيرة حصلت كسرت نفسك وخليتك تاخدي الموقف ده.. احكيلي يا سوسن وماتخبيش عليا، أنا جوزك.
النبرة الحنينة اللي في صوته، مع كلمة أنا جوزك، كانت زي القشة اللي قطمت ضهر البعير.. الحصون اللي كنت بانيها عشان أبان قوية اتهدت في ثانية، والدموع اللي كنت حابساها انفجرت من عيني بحرقة. شديت إيدي من إيده وغطيت بيها وشي وأنا بنهج من كتر العياط، وهو قعد جنبي، شدني وفضل يطبطب على ضهري ويهديني وهو بتقول وحدي الله يا حبيبتي، مفيش حاجة تستاهل كل ده، قوليلي في إيه؟
أخدت نفس طويل، وأنا بمسح دموعي بكم عبايتي، وبصيتله وقلت بمرارة وصوت متقطع
هحكيلك يا أحمد.. هحكيلك عشان تعرف أنا ليه قلبي اتقبض وليه مش هعتب الشقة دي تاني.. أنا كنت تحت من شوية، بعد ما هديت حيلي في تنضيف الشقة ومخليتها قشطة، وعملت غدا يفتح النفس للكل وأنا ضهري مقسوم من الحمل.. وقفت في المطبخ بجيب حاجة، وسمعت أمك بتكلم أختك في التليفون وبتعزمها تيجي تتغدى وتريح نفسها من شغل بيتها وتاخد أكل لجوزها وهي مروحة.
أحمد حواجبه اتقابلت وبصلي باستغراب
طب وإيه في كده يزعل يا سوسن؟ ما دي أختي وده بيت أمها، وإنتِ طول عمرك كريمة وبتفرحي لما بتتجمعوا!
ضحكت بوجع وسخرية، والدموع لسه نازلة على خدي، وقلتله
استنى يا أحمد، أنا مخلصتش.. أختك ردت عليها وقالتلها يا ماما آجي فين بس؟ ده العيال هيبهدلوا الدنيا وإنتِ بتقولي سوسن لسه منضفة.. عارف أمك ردت عليها قالتلها إيه بكل برود؟ سكتّ ثانية، والكلمة رجعت ترن في وداني وتدبحني من جديد، كملت وأنا بشاور بصباعي في وشه قالتلها وماله يا حبيبتي تعالي وميهمكيش! ما هي الخدامة أم بلاش موجودة، هتنضف وراهم وتلم كل حاجة، هو أنا يعني اللي بمد إيدي في حاجة؟ تعالي وبس متشيليش هم واقعدي يومين كمان هانم في بيت أمك.
الكلمة نزلت على أحمد زي الصاعقة.. ريأكشن وشه اتقلب 180 درجة، عينيه وسعت بذهول، وإيده اللي كانت ماسكة كتفي اترخت تماماً وسقطت جنبه.. شفايفه اتمطت بصدمة وهو مش قادر ينطق، كأنه مش مصدق إن الكلمات دي تطلع من أمه.
كملت وكلامي زي الرصاص
الخدامة أم بلاش يا أحمد!.. ده قَدري وقيمتي عندهم بعد كل السنين دي.. بعد ما كنت باجي على نفسي وصحتي وحملي عشانها وعشانك وعشان بيتك.. سلفتك اللي قافلة بابها وشايفة بيتها أولى، هي الهانم اللي بيعملولها ألف حساب، وأنا اللي بضحي بكل حاجة بقيت الخدامة أم بلاش اللي بتنضف ورا عيال بنتها وتلم وراهم عشان بنتها تقعد هانم!.. قولي بقى يا أحمد.. بعد اللي سمعته ده بوداني.. أرضى ب إيه تاني؟ وأنزِل بصفتي إيه؟
غضبة أحمد
أحمد فضِل قاعد مكانه، مذهول، عينه مثبتة في الأرض والسكوت اللي حلّ في الصالة كان مرعب. كنت سامعة صوت نَفَسه العالي، وكأن الكلمة كبست على نفسه هو كمان.. الخدامة أم بلاش. الكلمة جرحت كرامته في مقتل، لأن كرامتي من كرامته، ولأن الست اللي اتهانت دي هي مراته، وأم ابنه اللي جاي.
رفع عينه وبصلي، شوفت فيهم ميكس غريب من الصدمة، والكسرة، والغل المكتوم. ملامح الوش المستهون بالطيبة اختفت تماماً، وحلّ محلها وش راجل حاسس بالذنب والمسؤولية. قرب مني تاني، والمرة دي مسك إيدي بضغط أقوى، كأنه بيعتذرلي من غير ما ينطق، وقال بصوت مخنوق ومكتوم
حقك عليا يا سوسن.. الكلمة دي متقالتلكيش إنتِ، الكلمة دي تِقصدني أنا في مقامي ورجولتي قبل ما تقصدك.. أنا اللي سمحت لطيبتك تتوجه في المكان الغلط، وأنا اللي استسهلت وقولت مراتي أصيلة وبتشيل، لحد ما افتكروها حق مكتسب وببلاش.
دمعة واحدة نزلت من عينه مسحها بسرعة ووقف، بدأ يتحرك في الصالة بعصبية وهو بيجز على سنانه
والله العظيم ما كنت أعرف ولا عمري تخيلت إن ده تفكيرهم! أنا كنت بشوفك بتنزلي برضاكي وبحب، وكنت بقول الحمد لله ربنا رزقني ب ست أصيلة شايلاني وشايلة أهلي.. بس لحد هنا وكرامتك خط أحمر، كرامتك هي كرامتي يا سوسن، واللي يرميكِ بكلمة كأنه رماني في وشي.
بصيتله وأنا بنهج، وبدأت نبرة الصدمة في صوته تطمن قلبي من ناحيته.. الشك اللي كان بياكلني إنه يكون مستغلني مات واندفن. أحمد طلع زيي، مخدوع في العطاء اللي كان بيقدمه بححسن نية. سألته بصوت واطي ومجهد
هتعمل إيه يا أحمد؟ أنا مش عايزة مشاكل، أنا كل اللي عايزاه إني أشتري نفسي وصحتي، ومش هعتب الشقة دي تاني.
وقف قدامي، ملامحه جِمدت، وبقت قاطعة زي السيف
مش هتعتبيها، وده أمر منتهي ومش شرط.. ده حَقك. من النهاردة مفيش نزول، وشغل تحت ده ينسوه تماماً.. وبنتها اللي جاية تقعد هانم، تيجي تشيل أمها وتخدمها، أو يجيبوا حد بفلوسهم، إنما مراتي مش خدامة عند حد. سكت ثانية وكمل وعينيه بتلمع بوعيد أنا نازل لأمي حالا.. هفهمها إن الخدامة أم بلاش دي، هي هانم البيوت كلها، وإن الست اللي شالتها في تعبها وهي حامل، كان المفروض تِتشال فوق الراس، مش يتقال عليها كده في ضهرها.. أنا هحط النقط فوق الحروف يا سوسن، وعايزك تقعدي هنا، تحطي في بطنك بطيخة صيفي، وتعرفي إن طول ما أنا عايش على وش الدنيا، محدش هيقدر يكسرلك عين ولا يقلل من قيمتك.
المواجهة في الشقة السفلى
اتجه ناحية الباب، وعزم خطوته كان يطمن ويفزع في نفس الوقت. قفلت الباب وراه، وقعدت ورا الباب وأنا باخد نفسي لأول مرة من ساعات.. الحِمل اتشال من على كتافي، والشك اتمحى، بس المعركة الكبيرة كانت لسه هتبدأ تحت.
نزل أحمد، ورزع باب الشقة وراه رزعة هزت الحيطة وهزت معاها قلبي. وقفت ورا الباب، ودقات قلبي بتدق زي الطبل.. الخوف رجع ينهش فيا تاني، بس المرة دي مش خوف من أحمد، ده خوف من القلبة اللي هتحصل تحت، ومن المواجهة اللي شكلها مش هتعّدي على خير. مشيت في الصالة بخطوات ثقيلة، الحمل مخليني مش قادرة، وقعدت على الكنبة القريبة من البلكونة.. فتحت الشباك سنة صغيرة عشان ألقط الهوا، وحطيت إيدي على بطني وأنا بدعي في سري يا رب عدّيها على خير.. يا رب أنا مظلمتش حد، أنا بس جيبت آخري.
تحت في شقة حماتي، الصوت مكنش طالع أوي في الأول، بس بعد عشر دقائق بالضبط، بدأت الأصوات تعلى وتوصل لحد عندي. سمعت صوت أحمد وهو بيزعق بنبرة عمري ما سمعتها منه.. نبرة راجل مجروح في كرامته، صوته كان حاد ومزلزل
مراتي مش خدامة يا أمي!.. سوسن اللي شايلاكي في تعبك وشايلة البيت على كتافها وهي مش قادرة تفرد ضهرها، تتقال عليها كلمة زي دي؟!
وبعدها
تم نسخ الرابط