مصروف البيت للكاتبة: نرمين عادل همام
رن، وعرق جبينه بدأ ينزل وهو مش فاهم السيستم اللي كان شغال لوحده وبأمان بقاله سنين، اتلخبط ووقف فجأة ليه!
لأنه اكتشف حاجة عمره ما كان متخيلها، ولا كانت تخطر له على بال.. الحساب البنكي اللي كان بيدفع كل ففوتة في البيت ده بقاله سنين، ما كانش حسابه هو أصلاً، ولا مليم من تعبه دخل فيه!
وفي ليلة اليوم الرابع، البيت كان هادي وضلمة بسبب النت والكهرباء اللي بدأوا يتأثروا، وفجأة سمعت صوته جاي من أوضة النوم وهو بيزعق في الموبايل وواكل نفسه من الغيظ
يعني إيه السيستم واقف؟! إزاي الرصيد اتجمد؟! أنا محاسب وفاهم، فهموني الفلوس دي راحت فين وعمليات الدفع دي بتترفض ليه?!
وقبل ما أدخل عليه الأوضة، كان قالب الموبايل سبيركر وسمعت حماتي الست هدى بتقوله في التليفون بنبرة كلها لؤم وتحريض
جرى إيه يا مصطفى؟ تلاقيك مكبر الموضوع.. ما تقلقش يا حبيبتي، أكيد مراتك لمياء بتبالغ وبتعمل الحركتين دول عشان تضغط عليك وتلوي دراعك عشان تديك الكارت.. اتقل عليها ومتبينش إنك اتهزيت!
لكن اللي اكتشفه مصطفى بعدها بخمس دقائق بالظبط، خلّى اللون يختفي من وشه تماماً، وخلّى الدم يهرب من عروقه وعروق أمه في نفس اللحظة.. صدمة ما تخطرش على بال حد فيهم، صدمة خلت أوهام السيطرة وال سي سيد اللي زرعتها أمه في دماغه تتبخر في ثانية واحدة كأنها لم تكن!
مصطفى فتح تطبيق البنك على الموبايل وهو إيده بتترعش، وكان متوقع وهو مغمي عينيه إنه يدخل يلاقي رصيده المحدود اللي بيحطه كل شهر واللي أصلاً مش بيغطي ربع احتياجات البيت بس الصدمة الشديدة إن الأبلكيشن بسبب السيستم المشترك وتحديث البيانات، كان مربوط بالحساب التاني بالكامل.. الحساب المخفي اللي أنا كنت بستخدمه وبدير بيه حياتنا من وراه!
دخل وعينيه برقت وهو باصص للشاشة، وبدأ يقرا كشف الحساب بالتفصيل الممل والمليم ينط قدام عينيه شاف فواتير الكهرباء، المية، والغاز اللي بتندفع بالثانية وبانتظام من حسابي أنا.. شاف أقساط المدرسة الإنترناشيونال اللي بتتسدد بالكامل وقبل ميعادها ب 3 أيام من حسابي أنا وعرق جبيني..
والقلم اللي نزل على وشه ووش أمه وصعقهم، إنه شاف المصاريف اللي كانت بتخرج للدروس، وللأكل، ولحتى المصروف الشخصي بتاع أمه الست هدى اللي كنت ببعتهولها على فودافون كاش وبحولهولها كل أول شهر في حسابها من وراه وباسمه هو، عشان يفضل شكل جوزي كبير ومحترم ويحس إنه ابن بار وراجل كريم قدام أمه! كل القرش ده، وكل الخير ده كان بيطلع من عرق جبيني وطحنتي في الشغل الحر بالليل، مش من مرتبه المحدود اللي ضيعه على المظاهر وقسط العربية!
لما دخلت الأوضة، كان واقف وعيونه بتدور في الشاشة زي اللي مش مصدق، كأنه بيقرا طلاسم. بص لي، ولقيت في عينه نظرة لأول مرة أشوفها في حياتي.. نظرة انكسار الكرامة والراجل اللي اتهد كل برستيجه في ثانية.
لمياء.. ده إيه؟ سأل بصوت خافت، صوته كان بيرجف والكلمة طالعة بالعافية من حنجرته.
رديت بهدوء شديد صوتي كان ثابت وواثق رغم إن قلبي من جوة كان بيدق بعنف من كتر القهر والمواجهة
دي الحقيقة اللي كنت مخبياها عليك يا مصطفى.. مش عشان أذلّك ولا أكسر عينك، بس عشان أحفظ كرامتك قدام نفسك، وقدام أمك الست هدى اللي كل همها من يوم ما دخلت البيت ده إنها توقع بيننا وتنغص علينا عيشتنا.
في اللحظة دي بالذات، ومصطفى لسه واقف مذهول، موبايله رن تاني في إيده.. كانت أمه. من كتر صدمته وزهوله، فتح الإسبيركر من غير ما يشعر، وصوت حماتي طلع مالي الأوضة، حاد ومسموم ومليان شماتة
ها يا مصطفى؟ اتأدبت؟ أكيد بدأت تزن وتلطم وتطلب منك فلوس دلوقتي؟ أوعى تضعف يا واد يا مصطفى، خليها تحس بالفقر والجوع يومين عشان تعرف قيمتك ومقامات البيوت!
مصطفى بص للموبايل اللي في إيده بقرف، وبصلي بكسرة ندم، وبعدين رد على أمه بصوت مليان مرارة وقوة لأول مرة في حياته من يوم ما عرفته
يا أمي.. الفقر اللي بتقولي عليه وندوقهولها، طلع هو اللي مأكلنا ومشربنا ومعيشنا في مستوى أنا عمري ما كنت أحلم بيه بمرتبي المحدود! لمياء هي اللي شايلة البيت ده على كتافها طول السنين اللي فاتت، ولمياء هي اللي كانت بتدفع مصروفك الشخصي وتنزلهولك كل أول شهر من حر مالها وعرق جبينها وأنا كنت باخده وأديهولك باسمي.. وأنا كنت مغفل وغبي ومخدوع بكلمتين أسمعهم منك وأجي أتنطط بيهم عليها!
أمه سكتت فجأة على الناحية التانية من الخط، وصمتها في التليفون كان أبلغ وأقوى من أي رد.. الصدمة لجمتها.
مصطفى قفل السكة في وشها، وبص للأرض وبصلي وقال بحسرة
أنا كنت فاكر إني بطل البيت ده وسيد الرجالة.. طلعت مجرد كومبارس في حياة كنت فاكر إني أنا اللي بكتب سيناريوهاتها وبديرها بفلوسي.
قررت وقتها إني ما سكتش، ولازم أكمل القلم عشان يفوق تماماً، فقلت له بنبرة جافة
مش بس كده يا مصطفى.. الحساب ده اتجمد والخدمات وقفت لأن السيستم بتاع البنك بيعتمد على إدارة ذكية لفلوسي وشغلي، ولما أنا بطلت أحط إضافات وأحول من شغلي الحر عشان أواكب اختبار أمك وأشوف هتعمل إيه، الحساب أعلن إفلاسه.. إحنا دلوقتي مش بس مديونين، إحنا مطالبين بتسديد متأخرات المدارس والإنترنت وقسط العربية خلال 24 ساعة، وإلا كل ده هيتحجز عليه والفضايح هتبقى بجلاجل.
مصطفى في اللحظة دي حس بمسؤولية عملاقة وقعت على كتفه، لأول مرة يحس بحمل البيت الحقيقي ويشيل الشيلة بجد.
مش بس اعتذر لي وبكى تحت رجلي يطلب السماح، ده لِم نفسه وراح لأمه الست هدى وواجهها في بيتها للمرة الأولى والأخير في حياته، وحط حد قاطع لتدخلاتها وخرابها في حياتنا، وقالها بوضوح لو لمياء خرجت من البيت ده بسبب كلامك، أنا هخرج معاها، وهعرف وقتها طعم الحرمان الحقيقي اللي كنتِ عايزاني أذوقهولها.. بيتي ومراتي خط أحمر يا أمي.
علاقتنا اتغيرت تماماً بعدها.. مصطفى نزّل العربية وخرّج نفسه من مأزق الفشخرة، وبدأ يشتغل شغل إضافي بعد الظهر كمحاسب في مكتب صغير، وبدأ يقدر كل قرش بيخرج وعرف قيمة اللقمة، وبقيت أنا شريكته الحقيقية في العلن، مش الست اللي بتداري وراه وبتتحمل قرفه وقرف أهله في السر.
أما حماتي الست هدى؟ فبعد الموقف ده واكتشافها إن فلوسها ومصروفها كان من خير لمياء، اتقص لسانها واختفت تماماً من التدخل في تفاصيلنا، وبقت تيجي زي الضيفة تقعد بأدبها وتمشي.
عرفت إن بيوت الأسرار ما بتتهدش بكلمتين، وإن اللي بيحاول يوقع بين زوجين بالباطل، هو في الآخر اللي بيقع في شر أعماله وبيتفضح.
والدرس اللي اتعلمناه إحنا الاتنين؟ إن المودة والرحمة والبيوت الحقيقية مش محتاجة استعراض قوة ولا منظرة كدابة، وإن اللي
بيشيل البيت بجد وبيصونه، هو اللي بيستحق التقدير والحب، مش اللي بيملي الأوامر من بعيد ويعيش في الأوهام.
تمت