مصروف البيت للكاتبة: نرمين عادل همام
لمياء كانت قاعدة قدام شاشة الكمبيوتر في مكتبها، عينيها رايحة جاية بين أرقام الميزانية، بس عقلها كان في حتة تانية خالص. افتكرت أيام الكلية، لما كانت هي ومصطفى بيذاكروا سوا في السيكشن، أحلامهم البسيطة، ووعوده ليها أول ما اشتغلوا هما الاتنين محاسبين؛ هي في شركة ملاحة كبيرة، وهو في شركة مقاولات. كانت فاكرة إن دراستهم للشغلانة دي هتخليهم يعرفوا يديروا حياتهم بالقرش، بس الحقيقة إن الحسبة طلعت غلط خالص.
الحكاية بدأت تبوخ من يوم ما اتجوزوا.. حماتها، الست هدى، مبتقطعش رجلها عن البيت، وكل ما تيجي تقعد، عينيها تفضل تلف في الصالة وفي لبس لمياء، وتقول بنبرة كلها سم متداري ورا ضحكة صفرا
بسم الله ما شاء الله يا لمياء.. الطقم ده جديد برضه؟ إنتي يا بنتي كل مرتبك رايح على الهدوم والمكياجات والمنظرة؟ خفي شوية وشيلي مع جوزك، الحمل تقيل عليه يا حبيبتي، وإنتي كأنك ضيفة في البيت!
مصطفى بدل ما يقف ويقول كلمة حق، كان بياخد كلام أمه ويزيد عليه، يروح يقعد معاها في الصالون ويهز في راسه بحسرة مصطنعة
قوليلها يا أمي.. قوليلها عشان أنا خلاص ضهري انكسر! أنا اللي شايل البيت ده كله فوق كتافي، مصاريف المدارس والعيال، والأكل والشرب، واللبس والدوا.. كله من الألف للياء عليا أنا! وهي مرتبها بتشيله في البنك لنفسها ومبتدفعش مليم أحمر في البيت.
لمياء كانت بتسمع الكلام ده من المطبخ، ودمها بيغلي، بس كانت بتسكت عشان المركب تسير. الحقيقة المرة اللي محدش يعرفها غير ربنا وبنك لمياء، إن مصطفى مبيطلعش من مرتبه غير التلت بالعافية، وبقية المرتب كله رايح في قسط العربية الزيرو اللي جابها عشان يتفشخر بيها قدام أهله وعزوته ويقولوا ابننا ركب أحدث موديل.
أما فواتير الكهرباء، الغاز، المية، مصاريف المدارس الخاصة للولاد، وطلبات البيت.. فكل ده كان بيتخصم بالمليم بالدفع الإلكتروني ومن خلال الفيزا بتاعة لمياء ومن حسابها الشخصي اللي بيتحول عليه مرتبها كل أول شهر.
وفي يوم، الست هدى جات من غير ميعاد، ودخلت قعدت في الصالة، ولمياء كانت بتعملهم شاي في المطبخ، فسمعت حماتها بتوشوش مصطفى وبتقول له بلؤم
بقولك إيه يا مصطفى.. إنت لازم تكسر عينها شوية، خدي منها كارت البنك ده، وخلّي مرتبها ينزل تحت إيدك، الستات ملهمش أمان في الفلوس، وهي عمالة تكنز لروحها وإنت طافح الدم في الأقساط والمصاريف! سيبها يومين من غير مصروف وهتعرف قيمتك.
كنت واقفة في المطبخ وقتها، ضهري الحيط وسامعة كل نَفَس وكل كلمة بتتقال، وما كانوش يعرفوا إني سامعاهم ومتبعة الحوار السام ده من ورا الباب. حماتي كانت قاعدة على الكنبة مستربعة وتشرب الشاي ببرود، ومصطفى جوزي واقف قدامها ساكت وكاتم، كأنه تلميذ بيسمع كلام الأستاذ ومفيش في إيده حيلة، ومن كتر ضعف شخصيته قدامها كان بيسمع وهو منبهر بذكائها المزعوم.
قالت له وهي تهز رأسها وتلوح بإيدها اليمين فوق كوباية الشاي إنت مدلّعها زيادة يا مصطفى.. كل ما تحتاج حاجة تجيبها، وكل ما تطلب فلوس تديها، وبكرة تندم لما تلاقيها ركبتك ودلت رجليها! سيبها يومين من غير مصروف بس وهتعرف مين الراجل ومين اللي شايل البيت وموقفه على رجليه.
مصطفى اتنهد وقال بضعف والله يا أمي عندك حق، أنا هعمل كده، هي مبيبانش في عينها حاجة أصلاً، وأنا اللي شايل الشيلة لوحدي.
لمياء صوابعها علمت على صينية الشاي من كتر الغيظ، ودموعها نزلت قهر وهي شايفة جوز عمرها وزميل كفاحها بيبيعها لأمه وبيصدق كدبهم هما الاثنين على ست بتصرف دم قلبها عشان بيتها يفضل مفتوح.
مصطفى ضحك، ضحكة خفيفة كأن الكلام جه على هواه، وقال
يمكن عندك حق يا أمي.. شكلها كدة محتاجة قرصة ودن عشان تفوق وتعرف قيمتي.
في اللحظة دي بالذات، وأنا واقفة ورا حيطة المطبخ، حسيت بحاجة اتكسرت جوايا، شرخ عميق ملوش علاج. الوجع مكنش من كلام حماتي الست هدى، الوجع الحقيقي كان من مصطفى.. الراجل اللي عشت معاه وشاركت السكن واللقمة، وهان عليه شكلي قدام أمه.
لأنهم ببساطة ما كانوش يعرفوا الحقيقة.. الحقيقة المرة اللي كنت مدارياها عشان شكل جوزي يفضل كرامته صاينة قدام الناس وأهله. الحقيقة إن مرتب مصطفى المحاسب كان بيروح كله تقريبًا في أقساط العربية الزيرو اللي جابها عشان المنظرة والفشخرة قدام عيلته وعزوته، وإن فواتير البيت من مية ونور وغاز، ومصاريف مدرسة العيال وحتى أكل البيت وشربنا ولبسنا، كان بيتدفع بالمليم من الحساب البنكي اللي أنا بموّله لوحدي من شغلي التاني الحر شغاله اون لاين وطالع عيني اورفيلم وايفون حتى ماي واي وجبت اسدالات اللي بطحن نفسي فيه بالليل من البيت بعد مواعيد شركتي!
الحمد لله انهم مايعرفوش عنه كله من برا برا والحاجة عند اختي انا بتعامل بس في بيتي عن طريق الفون وكل الاوردرات بجهزها عند اختي كنت بفكر بس ان حماتي حتستكتر عليا رزقي ورزق عيالي وممكن تقول ال بعمله دا حيقلل من بريستجها المزيف.. لكن عمري ما قلت..
وكنت سايبة مصطفى يحس إنه البطل، وإنه سي السيد اللي فاتح البيت ومشيّله، وسايبة حماتي تصدق وتفرح بإن ابنها شايلنا كلنا على كتافه.. لحد ما جه اليوم اللي قرر فيه ينفذ نصيحتها الغالية بالمللي.
رجع البيت آخر الشهر، وشه كان ناشف، حط المحفظة في جيبه، وما سابش جنيه واحد على التربيزة زي كل شهر، ولا حتى مصروف البيت البسيط اللي بيشارك بيه ولّا فكة للعيال.
وقفت وبصيت للمحفظة وليه، ولما سألته بهدوء خالص ومن غير نرفزة
مصطفى.. هنشتري طلبات البيت وعجز التلاجة إمتى؟ الفواتير ميعادها جه.
رد عليا وهو بيلوي بوزه وبيبص في شاشة موبايله بلامبالاة مصطنعة
دبري نفسك يومين يا لمياء.. اتصرفي! زي ما أمي قالت، لازم كل واحد في البيت ده يعرف قيمة اللي بيتعمله، وقيمة القرش اللي أنا بطحن برة بسببه.
بصيت له ثواني، ثواني طويلة أوي كنت بقيس فيها حجم الخذلان والغباء اللي هو فيه.. وبعدين ابتسمت ابتسامة باردة جداً، وقلت بنبرة هادية
تمام.. اللي تشوفه يا مصطفى.
وقفت الدفع الإلكتروني من الأبلكيشن، وقفلت الحنفية تماماً..
اليوم الأول عدى.. ومصطفى نزل وطلع وهو عامل نفسه مش واخد باله. واليوم التاني عدى.. والتلاجة بدأت تصفّر والبيت طفت أنواره الإلكترونية.
وفي اليوم التالت.. بدأت الحفلة والاتصالات المكنتش بتهدى! البنك بدأ يتصل ب مصطفى عشان قسط العربية اتسحب ولقى الحساب مفيش فيه رصيد كافي يغطي لأن الخدمة واقفة، وشركة الإنترنت المنزلي فصلت الخدمة وبعتوا رسالة تم تعليق الخدمة لعدم السداد، ومدرسة ابنه بعتت رسايل إنذار بوقف دخول الولد الامتحانات بسبب تأخير القسط الأخير!
أحمد ومصطفى وكل اللي زيه في اللحظة دي وشهم بدأ يتغير..
مصطفى كان قاعد في الصالة والموبايل في إيده مش مبطل