جوزي كل ما يرجع من بره
في منتصفها صندوق حديدي أسود. فقط. لا يوجد شيء آخر. اقترب طارق. كان قلبه يدق بعنف. مد يده نحو الصندوق. لكن قبل أن يلمسه... جاء صوت من خلفهم أخيرًا لقيناه. استداروا جميعًا. وتجمدت الدماء في عروقهم. أحد الرجال الذين كانوا يطاردونهم وصل إلى مدخل الغرفة. لكنه لم يكن غريبًا. نور عرفته فورًا. وحنان شهقت. أما طارق فبقي مذهولًا. لأن الرجل الذي يقف أمامهم كان شخصًا يعرفونه جميعًا منذ سنوات... شخصًا كان يدخل بيتهم ويجلس معهم ويشاركهم أفراحهم وأحزانهم. شخصًا لم يخطر ببال أحد يومًا أنه وراء كل ما حدث. وكانت الصدمة الحقيقية أن هذا الشخص ابتسم بهدوء وقال كنت متأكد إنكم هتوصلوا للصندوق في النهاية... عشان كده سبتكم تكملوا الطريق بدل ما أوقفكم. ثم رفع شيئًا صغيرًا في يده. شيئًا جعل وجه والد طارق يشحب فجأة. لأنه كان يحمل... النصف الآخر من المفتاح. ساد صمت ثقيل داخل الغرفة. الأنفاس متقطعة. والعيون كلها معلقة بالرجل الواقف عند الباب. نور كانت أول من نطق إنت؟! الرجل ابتسم ابتسامة باهتة وقال واضح إن المفاجأة نجحت. كان ذلك الرجل هو عماد... صديق والد طارق القديم، والرجل الذي ظل يزور والدتهم لسنوات، ويساعدهم في إنهاء الأوراق والمشاكل بعد اختفاء الأب. الشخص الوحيد الذي كانوا يعتبرونه فردًا من العائلة. حنان بدأت تهز رأسها بعدم تصديق مستحيل... لكن والد طارق لم يبدُ متفاجئًا. بل أغلق عينيه للحظة وقال كنت عارف إنك هتظهر في الآخر. اختفت الابتسامة من وجه عماد وأنت كنت عارف من البداية إني بدور على الصندوق. رد الأب بهدوء لا... كنت مستنيك تعترف. اقترب عماد خطوة. ثم أخرى. وفي يده نصف المفتاح المعدني. وقال عشرين سنة وأنا بجمع القطع الناقصة. عشرين سنة من الانتظار. نور نظرت للصندوق. ثم للمفتاحين. ثم للأب. وفجأة فهمت. الصندوق لا يفتح بمفتاح واحد. بل بمفتاحين. النصف الذي مع طارق. والنصف الذي مع عماد. وهذا ما جعل عماد يتركهم يصلون إلى هنا. كان يحتاجهم. لكن المفاجأة الحقيقية جاءت من والد طارق. إذ قال فجأة حتى لو فتحته... مش هتلاقي اللي بتدور عليه. تغيرت ملامح عماد إيه قصدك؟ رد الأب لأن الصندوق الحقيقي مش ده. تجمد الجميع. حتى عماد نفسه. أشار الأب إلى الصندوق الأسود في منتصف الغرفة. وقال ده مجرد اختبار. سادت لحظة صمت مذهولة. ثم أكمل كل اللي جرى كان علشان أعرف مين لسه بيدور على السر بعد السنين دي. بدأ الغضب يظهر على وجه عماد بتكذب. لكن الأب أخرج من جيبه ورقة مطوية بعناية. ورفعها أمامه السر الحقيقي موجود هنا. وفجأة... انطلقت صفارة حادة في أرجاء المكان. صوت إنذار قديم لم يُسمع منذ سنوات. ثم بدأت أرضية الغرفة تهتز اهتزازًا خفيفًا. نور فقدت توازنها تقريبًا. حنان أمسكت بالحائط. أما عماد فالتفت حوله بقلق لأول مرة. والد طارق نظر إلى ابنه وقال بسرعة فيه مخرج واحد بس هيبقى مفتوح بعد دقيقة. وإنت؟ ابتسم الأب ابتسامة صغيرة. ابتسامة مليئة بالتعب. وقال أنا قضيت عشرين سنة بهرب... النهارده انتهى الهروب. لكن قبل أن يشرح أكثر... صدر صوت تكسير هائل من الممر. ودخل بقية الرجال إلى الغرفة. وفي اللحظة نفسها انشقت قطعة من الأرض الحجرية ببطء... وكشفت عن درج سري يهبط إلى مستوى أعمق تحت المزرعة. مستوى لم يكن موجودًا على أي خريطة. وكان واضحًا أن السر الحقيقي... ما زال في الأسفل. الدور الأرضي انهار صوتُه في الخلفية، والإنذار القديم كان بيصرخ كأنه بيعدّ الثواني الأخيرة. طارق وقف على حافة الدرج السري، بين إنقاذ نفسه وبين الحقيقة اللي طول عمره مطارداه. نور مسكته من إيده بقوة هننزل سوا يا نطلع سوا. لكن عماد كان بيقرب بسرعة ومعاه رجالة كتير دخلوا الممر. صوت خطواتهم كان بيقفل أي طريق للرجوع. الأب بص لطارق نظرة أخيرة، فيها راحة غريبة ماتضيعش اللي تعبنا فيه سنين... انزل. وفي لحظة صمت خاطفة، دفع طارق ونور وحنان ناحية الدرج. وقعوا في الممر السفلي، والباب الحجري فوقهم بدأ يتقفل ببطء. نور رفعت وشها، صرخت إنت جاي معانا! لكن الباب اتقفل. وفصلهم عن العالم كله. الظلام كان مطبق، لكن في آخر الممر كان فيه ضوء ضعيف جدًا. ومع كل خطوة، كان المكان بيتغير... مش مجرد سرداب. كان أشبه بمختبر قديم جدًا، مليان أجهزة متوقفة وأوراق متحفظة في زجاج. وفي المنتصف كان فيه ملف ضخم مفتوح على طاولة حديد. طارق قرب بخوف. فتح الصفحة الأولى. وشه اتجمد. الملف كان مكتوب عليه مشروع إعادة الهوية المرحلة الأولى وتحتها أسماء... أسماء عيلته كلها. أبوه. أمه. هو نفسه. حنان شهقت إيه ده... إحنا إيه علاقتنا بالمشروع ده؟ لكن نور كانت بتقلب الصفحات بسرعة، وإيديها بترتعش. وفجأة وقفت عند صفحة معينة. رفعت عينها ببطء وقالت بصوت مكسور إنتوا مش مجرد عيلة. سكتت لحظة إنتوا شهود على تجربة معمولة من سنين. طارق بص لها تجربة إيه؟ قبل ما ترد سمعوا صوت فتح باب من وراهم. بس المرة دي مكنش صوت عماد. كان صوت واحد تاني. هادئ جدًا. ومألوف بشكل مخيف. صوت قال كنت عارف إنكم هتوصلوا للحقيقة دي بالذات. استداروا جميعًا. وكان واقف على باب المختبر نفس الرجل اللي قالوا إنه مات من سنين. والد طارق... لكن هذه المرة بملامح مختلفة تمامًا. ملامح شخص عايش الحقيقة طول عمره ومختفي عنها عمدًا. وقال بهدوء الموضوع بدأ قبل ما تتولدوا... وانتهى دلوقتي. نور همست إحنا مين بقى؟ الأب ابتسم ابتسامة صغيرة وقال أنتم الدليل أو الكارثة... حسب اللي هتختاروه دلوقتي. وفجأة النور انقطع بالكامل. وسُمع صوت جهاز قديم بيبدأ يشتغل من جديد. كأنه تم تشغيل التجربة مرة أخرى... لكن المرة دي بدون تحكم من حد. ونهاية القصة كانت صوت واحد بس في الظلام المرحلة الثانية بدأت. الظلام استمر ثواني، لكن الإحساس كان كأنه عمر كامل. ثم فجأة سكت كل شيء. لا صوت أجهزة. لا خطوات. لا حتى أنفاس واضحة. نور فتحت عينيها ببطء، لقت ضوء أحمر خافت شغال من أعلى السقف. طارق كان واقف مكانه، ثابت بشكل غريب، كأنه بيستوعب حاجة أكبر من قدرته. همس إحنا مش جوه مزرعة... إحنا جوه مكان معمول مخصوص لينا. حنان بصت حواليها بخوف يعني إيه؟ الأب وقف في آخر الغرفة، وصوته كان هادي جدًا لأول مرة يعني كل اللي حصل فوق كان اختبار. وكل اللي حصل تحت كان كشف الحقيقة. عماد ظهر من الظلام من ناحية تانية، لكن ملامحه كانت مختلفة... أهدى، كأنه هو كمان اتصدم بالحقيقة. قال إحنا كلنا كنا فاكرين إننا بنطارد سر... طلعنا إحنا السر نفسه. نور بصت للصندوق المفتوح والملفات طب وليه كل ده؟ ليه إحنا؟ الأب اقترب خطوة وقال لأن فيه حاجة جوهكم مش موجودة في أي حد تاني. حاجة لو خرجت للعالم هتغير كل موازينه. طارق شد على
إيده إحنا مش تجارب! الأب هز رأسه أنتوا مش تجارب... أنتوا نتيجة. سكت لحظة، ثم أضاف بصوت أخفض والنتيجة دي بدأت تخرج عن السيطرة. وفجأة بدأ نفس الرمز اللي على ظهر طارق ينور بخط خفيف. وبعده ظهر نفس الضوء على ظهر حنان. وبعدها نور نفسها. الجميع رجع خطوة للخلف بصدمة. الاب قال بهدوء المرحلة اللي جايه مش هتختاروا فيها الهروب... هتختاروا هتكونوا إيه. وفجأة الباب الحديدي في آخر القبو اتفتح لوحده. وضوء أبيض قوي ضرب المكان كله. وصوت مجهول قال مرحبًا بكم في إعادة التشغيل النهائية. طارق مسك إيد نور وقال بصوت منخفض أيًا كان اللي جاي أنا مش هسيبك. ونور ردت وهي بتبص للضوء المهم نعرف إحنا مين الأول. وفي اللحظة اللي خطوا فيها ناحية الباب انقطعت القصة عند الخطوة الأولى وسُمع آخر صوت تم تفعيل الهوية الحقيقية.