جوزي كل ما يرجع من بره

لمحة نيوز

وصلت أخيرًا. ارتعش جسد طارق بالكامل. كان صوت والده. واضحًا. قريبًا. كأنه يتحدث من الغرفة نفسها. أكمل الصوت أنا عارف إن عندك ألف سؤال... لكن قبل ما تعرف أي حاجة، لازم تعرف إن اللي سبب الجروح اللي على ضهرك... مش عدوك. بادل الجميع نظرات مذهولة. وتابع التسجيل اللي عمل العلامة دي كان بيحاول يحميك. نور شعرت بقشعريرة تسري في جسدها. لكن التسجيل لم ينتهِ. صدر منه صوت ارتطام مفاجئ. ثم صوت أنفاس متسارعة. ثم جملة أخيرة جعلت الدم يتجمد في عروقهم جميعًا لو سمعتوا أي صوت وراكم... متبصوش.
وفي اللحظة نفسها بالضبط... سمعوا خطوات ثقيلة قادمة من آخر الممر خلفهم. تسمرت الأقدام في أماكنها. الخطوات كانت بطيئة... ثقيلة... وتقترب. نور شعرت أن قلبها بيدق في أذنيها. أما حنان فأمسكت بذراع أخيها بقوة حتى كادت تؤلمه. ولا أحد تجرأ أن يلتفت. كلمات التسجيل كانت لا تزال ترن في رؤوسهم لو سمعتوا أي صوت وراكم... متبصوش. لكن الفضول والخوف كانا أقوى من أي شيء. مرت ثوانٍ طويلة كأنها ساعات. ثم جاء صوت جديد. صوت رجل عجوز يقول بهدوء كبرت يا طارق.
رفع طارق رأسه فجأة. تجمد. لأن الصوت نفسه... هو صوت والده. ببطء شديد استدار. والباقون استداروا معه. وفي نهاية الممر وقف رجل مسن، شعره أبيض بالكامل، لكنه يحمل نفس ملامح الصور القديمة. نفس العينين. نفس الوقفة. نفس الندبة الصغيرة بجانب الحاجب. حنان شهقت وانهارت على الأرض من شدة الصدمة. أما طارق فلم يستطع الكلام. ظل ينظر للرجل كأنه يرى شبحًا. اقترب الرجل خطوة واحدة فقط وقال أنا آسف. انهمرت دموع حنان إنت حي؟! هز رأسه ببطء. لكن قبل أن يجيب... دوى صوت قوي فوقهم مباشرة. كأن شيئًا ضخمًا سقط في المخزن. ثم تبعه صوت تكسير. الرجل تغيرت ملامحه فورًا. واختفى الهدوء من وجهه. وقال بسرعة معندناش وقت. نظر إلى طارق مباشرة في ناس عرفوا إنك وصلت هنا. مين؟ ناس بتدور على حاجة أبوك أخفاها من سنين. نور سألت بسرعة إيه هي الحاجة دي؟ سكت الرجل لحظة. ثم أخرج من جيبه مفتاحًا صغيرًا جدًا. مختلفًا عن كل المفاتيح التي رأوها. وقال الحقيقة. ساد الصمت. ثم أضاف والحقيقة دي هي السبب اللي خلاني أختفي... والسبب اللي خلاهم يراقبوا طارق طول السنين اللي فاتت.
وقبل أن يشرح أكثر... انطفأت الأنوار كلها فجأة. غرقت الغرفة في ظلام كامل. وفي السكون المرعب سمعوا صوت باب حديدي يُغلق في مكان ما. ثم صوت خطوات كثيرة. ليست خطوة شخص واحد. بل عدة أشخاص. ينزلون السلم المؤدي إلى القبو. وكان واضحًا أنهم يقتربون منهم بسرعة. الظلام كان خانقًا. ثوانٍ مرت وكأنها دهر، والكل واقف مكانه لا يرى شيئًا. ثم سمعوا صوت والد طارق يهمس محدش يتكلم. توقفت الأنفاس. الخطوات فوق السلم كانت تزداد. شخص... ثم آخر... ثم أكثر من واحد. وكأن مجموعة كاملة نزلت إلى المخزن. نور كانت تسمع دقات قلبها فقط. وفجأة اشتعل ضوء صغير جدًا. والد طارق كان قد أخرج مصباحًا يدويًا صغيرًا من جيبه. أشار لهم أن يتبعوه. قادهم بسرعة إلى آخر الغرفة، حيث كانت توجد خزانة معدنية ضخمة ملتصقة بالحائط. ضغط على جزء معين منها. فصدر صوت خافت. وتحركت الخزانة ببطء. خلفها ظهر ممر ضيق لم يكن مرئيًا من قبل. همس ادخلوا بسرعة. دخلوا واحدًا تلو الآخر. وبمجرد دخول آخر شخص، أعاد الخزانة إلى مكانها. بعد لحظات فقط... سمعوا أصوات الغرباء يدخلون الغرفة الرئيسية. كانوا قريبين جدًا. قريبين لدرجة أنهم سمعوا كلماتهم بوضوح. أحدهم قال بغضب دوروا كويس... هو أكيد هنا. ورد آخر والولد كمان. الولد. كانوا يقصدون طارق. بادل الجميع نظرات صامتة. أما والد طارق فكان وجهه متجهمًا بشكل لم يره أحد من قبل. نور همست مين الناس دي؟ نظر إليها للحظة طويلة. ثم قال ناس قضت عشرين سنة تدور على حاجة مش ملكها. وإيه الحاجة دي؟ مد يده إلى جيبه. وأخرج ظرفًا صغيرًا قديمًا. كان نفس الظرف الذي ظل محتفظًا به كل تلك السنوات. لكن المفاجأة... أنه لم يكن يحتوي على أوراق. بل مفتاحًا صغيرًا جدًا وقطعة معدنية دائرية محفور عليها نفس الرمز الموجود على ظهر طارق. ناولها لابنه. وقال العلامة اللي على ضهرك عمرها ما كانت عقاب. نظر طارق للقطعة في ذهول. فأكمل والده كانت وسيلة علشان أتعرف عليك لو افترقنا. ساد الصمت. ثم أضاف في يوم اختفائي كنت عارف إن الخطر جاي. ومكنتش ضامن إني هرجع. فسيبت الدليل الوحيد اللي يثبت الحقيقة. نور سألت بسرعة حقيقة إيه؟
وقبل أن يجيب... جاءهم صوت ارتطام قوي جدًا من خلف الخزانة. مرة. ثم مرة ثانية. ثم ثالثة. كأن الأشخاص في الخارج اكتشفوا الممر السري. تجمد الجميع. وفي اللحظة التالية سمعوا صوت معدن يُكسر بالقوة. والد طارق أغلق عينيه لثانية واحدة. ثم فتحهما وقال بهدوء غريب للأسف... لقونا. وبدون أي مقدمات، أشار إلى نهاية الممر المظلم. هناك كان يظهر باب خشبي قديم جدًا. وقال ورا الباب ده موجود الشيء اللي الكل بيدور عليه... واللي هيغير كل حاجة عرفتوها عن عيلتنا. ثم وضع المفتاح الصغير في يد طارق. وأضاف بس قبل ما تفتحه... لازم تكون مستعد تعرف السر اللي خبيته عنكم عشرين سنة كاملة. طارق كان واقف والمفتاح الصغير بين صوابعه، كأنه شايل حمل السنين كلها في إيده. أما الأصوات خلف الخزانة فكانت بتزيد. ضربات قوية. صراخ مكتوم. وصوت معدن بيتلوى تحت الضغط. واضح إن اللي بيدوروا عليهم قربوا جدًا. نور بصت لوالد طارق وقالت بسرعة قول الحقيقة دلوقتي! تنهد الرجل بعمق، وكأنه كان مستني اللحظة دي من عمره كله. ثم قال من عشرين سنة... ما اختفيتش بإرادتي. سكت الجميع. أنا كنت شغال محاسب في شركة كبيرة وقتها. وبالصدفة اكتشفت إن فيه شبكة بتزور مستندات وتسرق أراضي وبيوت ناس كتير. جمعت الأدلة كلها عشان أسلمها للجهات المختصة. حنان همست عشان كده اختفيت؟ هز رأسه قبل ما أسلم الملفات بيوم واحد، عرفت إنهم عرفوا إني كشفتهم. وفي نفس اللحظة دوى صوت تحطم قوي خلفهم. جزء من الخزانة المعدنية وقع على الأرض. بقى واضح إن الوقت بينفد. أكمل بسرعة هربت بالأدلة وخبيتها في مكان محدش يعرفه. لكنهم فضلوا يطاردوني سنين. ولما فشلوا يوصلوا ليا، بدأوا يراقبوا عيلتي. نور افتكرت فجأة الجروح على ظهر طارق. والعلامة؟ رد الرجل فيه صندوق مقفول بالأدلة. مكانه متسجل بطريقة محدش يقدر يفهمها غير اللي معاه الرمز كامل. ثم نظر إلى ظهر طارق الجزء الأخير من الرمز كان عندك طول الوقت. شهقت نور. فهمت أخيرًا ليه طارق كان بيخبي ظهره. الجروح ما كانتش جروح عشوائية. كانت آثار عمليات قديمة لإخفاء وحماية الرمز من ناس كانوا بيدوروا عليه.
وفجأة... وصلوا إلى الباب الخشبي في نهاية الممر. طارق أدخل المفتاح. القفل استجاب فورًا. فتح الباب ببطء. ودخلوا. الغرفة كانت صغيرة جدًا.
تم نسخ الرابط