بنتي التؤام
كنت فاكرة إني خسرت واحدة من بناتي التوأم اللي لسه مولودين للأبد. بس بعد ست سنين، بنتي اللي عايشة معايا رجعت من أول يوم مدرسة وهي بتطلب مني أعمل علبة غدا زيادة لأختها. اللي حصل بعد كده شقلب كل حاجة كنت عارفاها عن الحب، والخسارة، ومعنى إن الوحدة تكون أم.
فيه لحظات في العمر مابتخفش منها أبدًا.. لحظات بتجرحك جرح غائر لدرجة إنك بتحس بأثره في كل خطوة بتخطيها.
بالنسبة لي، اللحظة دي حصلت من ست سنين، في أوضة مستشفى مليانة ب صويت الأجهزة، وزعيق الدكاترة، وصوت دقات قلبي اللي كان عالي في وداني. كنت بولد توأم، جومانا وليلى.
بس.. واحدة بس هي اللي طلعت عايشة.
الدكاترة والممرضات قالوا لي إن بنتي ماتت.. قالوا حصلت مضاعفات، وكأن الكلمة دي كافية تعوض الحضن الفاضي اللي بين إيديا.
أنا حتى ملحقتش أشوفها.
سميناها ليلى في سرنا، وبقى الاسم ده زي السر المكتوم بيني وبين جوزي، ماجد.
بس مع مرور السنين، الحزن غيرنا.. ماجد مشي وسابني، مكانش قادر يعيش مع كآبتي، أو يمكن مكانش قادر يستحمل حزنه هو شخصيًا.
وبقينا أنا وجومانا لوحدنا، ومعانا الخيال المختفي لبنتي اللي عمري ما عرفتها.
أول يوم في أولى ابتدائي كان حساه بداية جديدة.. جومانا كانت ماشية على الرصيف وضفايرها بتطوح يمين وشمال، وأنا شاورت لها وأنا بدعي ربنا إنها تعمل أصحاب.
قضيت اليوم كله وأنا بنظف البيت، بحاول أطلع التوتر اللي جوايا في التنظيف.
وقلت لنفسي بصوت عالي اهدي يا فادية.. جومانا هتبقى زي الفل.
بعد الظهر، مالحقتش حتى أشيل الإسفنجة من إيدي ولقيت باب البيت اترزع.
جومانا دخلت جري، وشنطتها كانت مفتوحة نص فتحة، ووشها أحمر ومحمل دم.
ماما! بكرة لازم تعملي علبة غدا كمان!
بربشت بعيني وأنا بغسل الصابون من إيدي وقلت لها واحدة كمان؟ ليه يا حبيبتي؟ هو أنا مكنتش عاملة لك أكل كفاية؟
رمت شنطتها على الأرض ولوت بوزها وكأن المفروض أكون عارفة لوحدي.
عشان أختي.
حسيت بلخبطة وخضة دخلت قلبي وقلت لها أختك؟ يا حبيبتي انتي عارفة إنك بنتي الوحيدة.
جومانا هزت راسها بعناد، وفي اللحظة دي كانت شبه ماجد بالظبط.
لأ يا ماما.. أنا قابلت أختي النهاردة.. اسمها لولو.
حاولت أبان هادية وقلت لها لولو؟ دي بنت جديدة في المدرسة؟
آه! وقاعدة جنبي علطول! وجومانا بدأت تدور في شنطتها. وشبهي بالظبط.. نسخة مني، بس فرق شعرها على الناحية التانية.
رعشة غريبة مشيت في ضهري وقلت لها وهي بتحب تاكل إيه في الغدا يا حبيبتي؟
قالت جومانا قالت لي عيش بفول سوداني ومربى، بس قالت إنها عمرها ما أكلته في المدرسة قبل كده، وعجبها إنك بتحطي مربى أكتر من مامتها.
قلت لها وأنا مستغربة بجد؟
وفجأة وش جومانا نور وقالت آه! عايزة تشوفي صورتها؟ أنا استخدمت الكاميرا زي ما قولتي لي!
كنت شريا لها كاميرا من اللي بتترمى بعد الاستخدام دي لونها بمبي عشان أول يوم مدرسة، قلت تسليها وتعمل ذكريات، وأبقى أعمل لها ألبوم صور بعدين.
ودتني الكاميرا وهي فخورة بنفسها جدًا وقالت الميس لبنى ساعدتنا عشان ناخد الصورة.. لولو كانت مكسوفة! والميس سألتنا لو كنا إخوات.
فريت في الصور.. وكانوا واقفين هما الاتنين جنب الدواليب، نفس العيون، نفس الشعر الكيرلي، وحتى نفس الحسنة الصغيرة اللي تحت عينهم الشمال.
كنت هلوح الكاميرا من إيدي من الصدمة.
يا حبيبتي، انتي كنتي تعرفي لولو دي قبل النهاردة?
هزت راسها وقالت لأ.. بس هي قالت لي المفروض نبقى أصحاب عشان شبه بعض.. ماما، ينفع تيجي تلعب معايا في البيت؟ قالت لي إن مامتها بتوصلها المدرسة، بس يمكن المرة الجاية تشوفيها؟
حاولت أخلي صوتي ثابت وقلت لها يمكن يا حبيبتي.. هنشوف.
الليل دة، قعدت على الكنبة وأنا مبلمة في الصورة، وقلبي عمال يدق، مابين الأمل والرعب اللي بيحاربوا بعض في صدري.
بس من جوايا، كنت عارفة إن دي مجرد البداية.
الصبح، كنت ماسكة الدريكسيون جامد لدرجة إن صوابعي ابيضت. جومانا كانت عمالة ترغي عن الميس بتاعتها وعن اللون المفضل للولو طول السلكة، وهي مش دريانة بأي حاجة.
ركنة المدرسة كانت قلبان، عربيات وأطفال وأهالي بيشاوروا. جومانا مسكت إيدي وإحنا رايحين ناحية الباب.
وهمست وعينها واسعة أهي هناك أهيه!
فين؟
جومانا شاورت وقالت جنب الشجرة الكبيرة يا ماما! شوفي؟ دي مامتها، والست دي واقفة معاهم تاني!
مشيت ورا شورة بنتي ونفسي اتقطع.. بنت صغيرة، نسخة طبق الأصل من جومانا، واقفة مع ست لابس بالطو كحلي. الست كان وشها مشدود وهي بتبص علينا.
بطني وجعتني..
وبعدين، وراهم بالظبط، شفت الست اللي كانت السبب في كابوس حياتي كله.. مروة، الممرضة اللي كانت مسؤولة في المستشفى ليلتها. كانت كبرت في السن، بس مستحيل أنسى العيون دي.. كانت واقفة وراهم زي الخيال، بتراقب البنت في السر من بعيد لبعيد.
شدت إيد جومانا بالراحة وقلت لها يلا يا حبيبتي اجري على جوة.
جريت وهي بتقول باي يا ماما!، ولولو جريت عليها وبدأوا يوشوشوا بعض علطول.
مشيت على النجيل وأنا بضغط على نفسي، ونبضات قلبي بتطبل في وداني وقلت بصوت بيترعش مروة؟ انتي بتعملي إيه هنا؟
مروة الممرضة اتخضت وعينها زاغت بعيد من الرعب فادية.. أنا...
وقبل ما تكمل كلامها، الست اللي لابسة البالطو الكحلي قدمت خطوة وقالت براحة انتي أكيد مامت جومانا.. أنا سهام.. الست اللي ربّت ليلى.. إحنا.. إحنا لازم نتكلم.
بصيت لها وأنا جوايا غل وخوف مش سايعني.
انتي عارفة من إمتى يا سهام؟
وشها اتكتم وقالت من سنتين.. لولو كانت محتاجة نقل دم بعد حادثة، وأنا وجوزي مكناش متطابقين معاها. بدأت أنبش ورا الموضوع، ولقيت الورق المتزور اللي مروة عملته في المستشفى.
قلت لها وأنا بكرر كلامها وصوتي مخنوق سنتين.. كان قدامك سنتين تخبطي على بابي.
أنا عارفة.
لأ.. كان قدامك