جمال يسكن القلب

لمحة نيوز

​مرت الأسابيع، وبدأت نادين تشكو من تعب غريب وإعياء دائم بعد الولادة، وصارت تهمل طفليها ولا تقترب منهما إلا عندما يزورهم الناس لتتظاهر بالأمومة. وكانت ريم هي التي تسهر الليالي الطوال مع الطفلين، تطعمهما، وتغير ملابسهما، وتحملهما على كتفها عندما يبكيان ليلًا حتى يناما. ومع الوقت، ارتبط الطفلان بريم ارتباطاً وثيقاً، وصارا يهدآن ويفرحان في حضنها أكثر بكثير من حضن أمهما الحقيقية. أثار هذا الأمر غيرة نادين وحقدها، وفي ليلة من الليالي، كانت ريم تمر بجانب غرفة نادين، فسمعتها تتحدث مع والدتها عبر الهاتف بصوت منخفض وتقول: "هذه المرأة الخبيثة سرقت مني محبة الأطفال والبيت، يجب أن أجد طريقة لطردها من هنا قبل أن ينكشف أمري وتظهر حقيقتي للجميع".

​تجمدت ريم في مكانها خلف الباب، وخفق قلبها برعب، ولم تفهم ما هي الحقيقة الخطيرة التي تخاف نادين من ظهورها. وفي اليوم التالي مباشرة، أصيب أحد التوأمين بوعكة صحية شديدة وارتفعت حرارته فجأة، وكانت نادين غارقة في نومها ولا تبالي، فحملت ريم الطفل مسرعة واستدعت مازن وتوجها به إلى المستشفى، وهناك طلب الطبيب إجراء فحوصات وتحاليل دم عاجلة للطفل لضمان دقة العلاج.

​عندما ظهرت نتائج التحاليل، كانت المفاجأة التي هزت أركان المستشفى؛ فالطفل لا يحمل فصيلة دم الأب عادل، ولا فصيلة دم الأم نادين، وهو أمر مستحيل علمياً وبيولوجياً. اتصل مازن بأخيه عادل الذي حضر مسرعاً وبرفقته نادين التي بدت عليها علامات الارتباك الشديد، وبدأت تصرخ في وجه الأطباء متهمة المختبر بالخطأ والجهل، مما دفع إدارة المستشفى إلى طلب تحليل نسب جيني "DNA" عاجل وصارم للتوأم. سقطت نادين على المقعد وشحب وجهها كالموتى، بينما وقف عادل مذهولاً، تائهاً، لا يستوعب ما يحدث حوله.

​وقبل أن تخرج النتيجة الرسمية لتحليل النسب، دخلت إلى الغرفة ممرضة عجوز تعمل في قسم التوليد منذ عقود، وكانت تبكي وترتجف، وقالت بصوت متهدج: "لا تتعبوا أنفسكم بالتحاليل... أنا أعرف السر كله وأريد إبراء ذمتي أمام الله قبل أن أموت. في ليلة ولادة نادين، لم تنجب نادين توأماً كما زعمت... بل أنجبت طفلاً واحداً مصاباً بتشوه خلقي شديد وتوفي بعد ولادته بدقائق. جُن جنون نادين وخافت من خسارة مكانتها وحب عادل، فاستغلت انشغال الأطباء في تلك الليلة المزدحمة، ودفع عائلتها مبلغاً ضخماً من المال لتبديل جثة طفلها الميت بطفلين توأم حقيقيين من حضانة المستشفى، يعودان لعائلتين مختلفتين، ليظن الجميع أنها أنجبت ولدين صحيحين".

​صرخت نادين بهستيريا: "أنتِ كاذبة! تريدين تدمير حياتي!"، لكن الممرضة أخرجت من جيبها سواراً بلاستيكياً صغيراً يُوضع عادة في معصم المواليد الجدد وقالت: "هذا هو السوار الأصلي لأحد الطفلين، وقد احتفظت به لضميري، وهو يحمل اسم العائلة الحقيقية التي سُرق منها طفلها في تلك الليلة المشؤومة". اقتربت ريم من السوار ووقعت عيناها على الاسم المكتوب، فارتجفت من الصدمة، لأن الاسم لم يكن غريباً عنها.

​وقبل أن ينهار عادل تماماً ويفقد وعيه من هول الخيانة والتزوير، التفت الطبيب نحو ريم ومازن، وهو يمسك بتقرير آخر في يده، وقال بنبرة هادئة مليئة بالتعجب: "القدر يضع العدالة في نصابها اليوم... الصدمة ليست في تزوير نادين فقط، بل إن التحاليل العرضية التي أجريناها لريم لحالتها الصحية تبين أنها حامل في شهرها الثاني، وكانت تخفي تعبها ووحمها الشديد طوال الأسابيع الماضية كي لا تقصر في خدمة هذا البيت".

​رفعت نادين عينيها برعب وانكسار نحو ريم، المرأة البسيطة التي سخرت من عقمها ونعتتها بالقبح، فإذا بريم تقف أمامها الآن وهي تحمل في أحشائها طفلها الحقيقي من صلب مازن، وتحمل في قلبها الرحمة والنقاء التي افتقدتها نادين رغم جمالها المزيف. وفي تلك اللحظة التي ظن فيها الجميع أن فصول الرواية قد انتهت وانكشفت كل الأوراق، انفتح باب الغرفة بقوة، ودخل رجل غريب الملامح، يبدو عليه الفقر الشديد والتعب، وكان يلهث وعيناه مليئتان بالدموع والغضب، فنظر إلى نادين ثم إلى الممرضة وقال بصوت زلزل القاعة: "أنا والد الطفل الحقيقي الذي سرقتموه من الحضانة قبل أشهر... أنا الذي عشت أحترق يومياً ظناً أن ابني مات، والآن جئت لأستعيد دمي وأكشف الطرف الآخر المتورط في هذه الجريمة والذي دفع المال لنادين لتنفيذ هذه الخطة".

تم نسخ الرابط