جمال يسكن القلب

لمحة نيوز

كانت أم عادل ومازن امرأة قوية الشخصية، صلبة في مبادئها، وعاشت حياتها كلها تربي ولديها بعد وفاة والدهما على عزة النفس والاعتماد على الذات. وعندما شبّ الولدان ووصلا إلى سن الزواج، جلست معهما وجلسة مصارحة ووعدتهما بأن تزوجهما كما يريدان تماماً، دون أن تفرض رأيها أو ذوقها على أحد منهما، إيماناً منها بأن لكل رجل نظرة خاصة في شريكة حياته.

​طلب عادل، الابن الأكبر، أن يختار عروساً فائقة الجمال، من عائلة عريقة ومعروفة، وتملك ثروة ونفوذاً، لأنه كان يرى في المرأة واجهة اجتماعية يفتخر بها أمام الأصدقاء والأقارب في مجتمعه السوري المحافظ الذي يهتم بالمظاهر كثيراً. أما مازن، الابن الأصغر، فقد فاجأ أمه وأخاه برغبته في الزواج من ريم، الفتاة التي زاملته في سنوات الدراسة الجامعية وأحب خلقها ورجاحة عقلها. كانت ريم فتاة بسيطة الملامح، حنطية البشرة، تنتمي إلى عائلة كادحة مستورة الحال لا تملك مالاً ولا جاهاً.

​حاولت الأم مراراً وتكراراً أن تقنع مازن بمراجعة قراره، وحذرته من أن ريم لا تتناسب مع مستوى العائلة المادي، ولن تصمد في المقارنة مع العروس التي سيختارها أخوه عادل، لكن مازن تمسك بقراره بقوة وقال جملته التي ظلت تتردد في أرجاء البيت: "أنا لا أتزوج وجهاً يا أمي، أنا أتزوج قلباً أعرفه وأثق به". تراجعت الأم أمام إصرار ابنها، ووفت بوعدها للولدين، فخطبت لعادل فتاة تدعى نادين، كانت آية في الجمال، بيضاء البشرة، ممشوقة القوام، ترتدي أفخم الملابس وتضع أثمن المجوهرات، وكان كل من يراها يشبّهها بالأميرات. وفي الوقت نفسه، خطبت لمازن حبيبته ريم، التي دخلت بيت العائلة الكبير بخجل وهدوء شديدين، لا تلفت الأنظار بجمال صارخ، لكنها كانت تتسلل إلى القلوب بطيبتها ونقاء سريرتها.

​تم الزواج في ليلة واحدة امتلأت بالبهجة، لكن المقارنة القاسية بدأت منذ اليوم الأول لعيشهم في بيت واحد. كان نساء العائلة والزائرات يمدحن جمال نادين الأخاذ وثيابها ومجوهراتها، ويلتفتن إلى ريم بنظرات شفقة خفية تلمز في اختيار مازن. كانت ريم تسمع الهمس وتلمح النظرات، لكنها كانت تبتسم بأدب وكأنها لم تفهم شيئاً، ثم تنسحب هدوءاً إلى غرفتها المظلمة لتبكي بحرقة دون أن تشعر زوجها بشيء.

​بعد مرور شهرين فقط، أعلنت نادين حملها بتوأم، فانقلب البيت إلى ساحة احتفال مستمر، وازدادت مكانة نادين رفعة ودلالاً عند الأم وعادل. وفي المقابل، تأخر حمل ريم، فبدأت نظرات الشفقة تتحول تدريجياً إلى كلمات جارحة وتلميحات قاسية عن العقم. ورغم حمل نادين، إلا أنها رفضت تماماً المشاركة في أي عمل من أعمال المنزل، بل زادت دلالاً وغطرسة، وتخلت عن كل المسؤوليات لتلقيها بالكامل على عاتق ريم. أصبحت ريم هي التي تطبخ، وتنظف، وترتب البيت الكبير، وتخدم حماتها، بل وتجهز مستلزمات التوأم القادم، دون أن تسمع كلمة شكر واحدة من نادين التي كانت مغرورة إلى أبعد حد، ترد السلام بطرف أنفها، ولا تجلس مع حماتها إلا نادراً، ظناً منها أن جمالها ومال أهلها يضعانها فوق الجميع.

​عندما وضعت نادين طفليها التوأم، زادت قسوتها وجبروتها، وأصبحت تتباهى كل يوم أمام ريم بجمالها وأطفالها قائلة بفخر: "ربنا أعطاني الجمال والأولاد، والحمد لله الذي يرزق من يشاء". كانت ريم تلزم الصمت وتدعو لها بالبركة، لكن قلبها كان ينكسر في كل مرة يوجَّه إليها هذا الكلام. وفي يوم من الأيام، اجتمعت العائلة كلها في صالة البيت، وكانت ريم تحمل أحد التوأمين وتلاعبه بحنان دافئ وأمومة حقيقية، فاقتربت منها نادين وانتزعت الطفل من يدها بقسوة وضحكت بسخرية أمام الجميع قائلة: "أنا أتعجب حقاً كيف أن زوجك ما زال متمسكاً بك حتى الآن، رغم قبح ملامحك ورغم أنك امرأة عاقر لا تنجبين".

​ساد الصمت أرجاء المكان، ونزلت الكلمات كالصاعقة على رأس ريم التي شعرت وكأن صفعة قوية وُجهت إلى وجهها أمام العائلة. لم تنطق بكلمة، بل خفضت رأسها إلى الأرض، ودخلت غرفتها وأغلقت الباب، وجلست على الأرض تبكي بحرقة، ليس اعتراضاً على رزق الله، بل لأنهم نسوا أن الجمال والإنجاب هما هبتان من الخالق لا يجوز لأحد أن يتكبر بهما على غيره. دخل مازن الغرفة بعد أن سمع بكاءها، واحتضنها بحنان جارف قائلاً: "لو خيّروني بين نساء الأرض ألف مرة، فلن أختار سواكِ يا ريم". مسحت دموعها وقالت بضعف: "لكنهم يرونني ناقصة يا مازن"، فرد عليها بيقين: "الناقص الحقيقي هو من يرى نعمة الله على غيره سبباً لإهانة الناس وازدرائهم".

تم نسخ الرابط