بعد سبع شهور من يوم ما قصّيت شعري

لمحة نيوز

لها إيه؟» «سافرت. وأنا فضلت سنين فاكر إنها هترجع لما تفهم إني كنت صح. لكن الحقيقة إنها كانت محتاجة أبعد عشان تقدر تتنفس. ولما رجعت، ما رجعتش عشاني. رجعت لأنها اختارت.» ابتسم ابتسامة حزينة: «من يومها، فهمت إنك ممكن تحب حد جدًا، ومع ذلك ما يكونش من حقك تختار عنه.» ما عرفتش أرد، لأن الكلام اللي كنت محتاجة أسمعه من أبويا طول عمري، سمعته من راجل ما كانش بيني وبينه أي صلة.

دانتي وقف، واتجه للباب. وقبل ما يخرج، قال: «على فكرة، عندك ترقية.» ضحكت لأول مرة من قلبي: «ترقية إيه؟ أنا لسه بقالي يومين بشتغل على العربية دي!» «هتبقي مسؤولة عن قسم ترميم العربيات الكلاسيك، لما تخلصي تدريبك. والمرتب هيتضاعف.» «وإنت بتعمل كل ده عشان أنا ساعدتك في عربية الموستنج؟» لف ناحيتي: «لأ. بعمله لأنك شاطرة، واشتغلتي عشان توصلي، ومش محتاجة حد يديكي قيمة إنتِ أصلًا عندك منها كتير.» وبعدين أضاف بجدية: «بس لو بوظتي عربية الموستنج، هخصم منك تمن القطع.» ضحكت، وضحك هو كمان. ولأول مرة، ضحكتي ما كانتش محتاجة تتخبى.

9. إيلينا ترجع... لكن مش لنفس الحياة

بعد ستة شهور، وصلت التسوية القانونية الخاصة بحصة يوسف إلى مرحلتها النهائية، واتأكد حقي فيها بموجب الوصية الأصلية، بعد ما اتثبت تزوير مستند التنازل. ما رجعتش مصر فورًا. كان عندي شغل بحبه، وبيت صغير استأجرته قريب من الورشة، وناس بدأت أعرفهم من غير ما أخاف إن كل سؤال منهم فخ. وفي يوم هادي، قررت أزور قبر يوسف. سافرت إلى القاهرة بعد ما اتأكدت إن الإجراءات القانونية تسمح لي أرجع بأمان، وإن مفيش أوامر تمنع سفري أو تحركاتي. وقفت قدام قبره، ومعايا ورد أبيض ورسالة جديدة. قلت بصوت واطي: «أنا رجعت يا يوسف.» سكت لحظة، وبعدين ابتسمت وسط دموعي: «بس المرة دي، رجعت عشان أنا عايزة أرجع، مش عشان حد قرر إني لازم أرجع.» حطيت الورد، وفتحت الرسالة. كنت كاتبة فيها:

«يا يوسف، أنا ما قدرتش أعرف كل الحقيقة في وقتك، لكنني عرفت إنك كنت بتحاول تحميني بالطريقة الوحيدة اللي كنت تعرفها. أنا مش هعيش عمري كله في حرب عشانك، زي ما طلبت مني. هعيش عشان نفسي، وهحافظ على حقي، وهفتكر إنك كنت أول شخص صدق إن من حقي أختار. وحشتني. إيلينا.»

لما رجعت من المقبرة، كان أبويا مستنيني في بيت العيلة. ما كانش فيه ضيوف، ولا ترتيبات، ولا حد بيقول لي ألبس إيه أو أقعد فين. كان قاعد لوحده في الصالون. قال: «كنت أتمنى أشوفك قبل ما تسافري.» قعدت على الكرسي المقابل: «أنا لسه ما قررتش إذا كنت هرجع أعيش في مصر ولا لأ.» «فاهم.» بصيتله باستغراب: «فاهم؟» هز راسه: «يمكن لأول مرة في حياتي، فاهم إن القرار مش من حقي.» مد إيده بورقة؛ كانت وثيقة قانونية تثبت إنه تنازل عن أي محاولة للسيطرة على حصتي في الشركة، وإنه وافق على استقلال الإدارة المالية الخاصة بي. قال: «مش هطلب منك تسامحيني النهارده. بس عايزك تعرفي إنني بدأت أتعلم إن الأبوة مش معناها إن الواحد يختار حياة أولاده.» أخدت الورقة، واحتفظت بيها. ما حضنتوش، وما قلتلوش إني سامحته. لكنني ما مشيتش وأنا حاسة إني لازم أثبت له إني بنت كويسة. كان ده كفاية في اليوم ده.

10. بعد سنة... المفاجأة اللي ما كانتش في الحسبان

عدّت سنة كاملة من ليلة هروبي. في صباح يوم شتوي، كنت واقفة في الورشة، براجع قائمة قطع غيار لعربية كلاسيك نادرة، لما دخلت عليا ست في أواخر الأربعينات، لابسة معطفًا رماديًا، وفي إيدها صندوق خشبي صغير. قالت: «إنتِ إيلينا رشاد؟» بصيتلها بحذر: «أيوه. حضرتك مين؟» ابتسمت: «اسمي ماريا سالفاتوري. أنا أخت فيكتور سالفاتوري.» اسم العيلة خلاني أتوتر فورًا. دانتي خرج من مكتبه لما سمع صوتنا، وأول ما شافها، وقف مكانه: «ماريا؟» هزت راسها: «عارفة إنك مش عايز تشوفني، وعارفة إن أخويا تسبب في أذى كبير. لكن فيه حاجة لازم أوصلها لإيلينا.» حطت الصندوق على المكتب: «لقيت الصندوق ده في مخزن قديم بعد وفاة أمي. جواه أوراق تخص فيكتور، واسم أخوكي موجود فيها.» فتحت الصندوق. كان جواه دفتر صيانة قديم، وصورة ليوسف واقف جنب رجل ما عرفتهوش، وورقة مطوية عليها تاريخ يسبق وفاته بشهرين. فتحت الورقة؛ كانت رسالة من يوسف إلى فيكتور، بيطلب منه فيها تفسيرًا لاستخدام اسم شركته في معاملات مالية مشبوهة. وفي آخر الرسالة، كانت فيه جملة مكتوبة بخط يوسف: «لو ما وصلنيش ردك خلال أسبوع، هسلّم كل المستندات للجهات المختصة. مش هسمح إن اسم أختي يتستخدم في أي صفقة، ومش هسمح إن حد يهددها عشان يسكتني.» بصيت لدانتي: «يوسف كان بيحاول يحميني من قبل ما أعرف أصلًا إن فيه خطر.» ماريا أومأت: «أخويا كان عارف إن يوسف بيجمع أدلة. لكنه ما كانش متوقع إن كريم هيوصل للمرحلة دي. وأنا مش جاية أطلب منك تسامحي حد. أنا بس مش عايزة الأوراق دي تختفي تاني.» سلّمنا الصندوق للمحامي، واتضافت المستندات الجديدة لملف القضية. وبعد مراجعة إضافية، اتضح إن فيكتور كان قد ساعد كريم في استخدام شركات وسيطة لإخفاء بعض التحويلات، وإن أحد المسؤولين عن صيانة العربية كان على اتصال مباشر برجال كريم قبل الحادثة. الأدلة الجديدة دعمت النتائج اللي وصلت لها التحقيقات السابقة، وساعدت في إغلاق جزء من الأسئلة اللي فضلت معلقة حول الأيام الأخيرة من حياة يوسف. أما ماريا، فوافقت تشهد بكل اللي تعرفه، رغم إن شهادتها كانت هتسيء لسمعة عيلتها. قبل ما تمشي، وقفت قدامي وقالت: «أخويا كان فاكر إن حماية العيلة معناها إنه يخبي الحقيقة. إنتِ أثبتي إن العيلة الحقيقية هي اللي تقدر تواجه الحقيقة حتى لو وجعتها.» ما عرفت أرد، لكنني شكرتها. بعد خروجها، دانتي وقف جنبي: «عارفة إيه أغرب حاجة في كل اللي حصل؟» «إيه؟» «إنك دخلتي ورشتي عشان تختفي، وفي الآخر بقيتي الشخص اللي ساعدنا نكشف أسرار ناس كانت مستخبية من سنين.» ابتسمت: «يمكن كنت محتاجة أختفي شوية عشان أعرف أنا مين.» هز راسه: «ويمكن دي أول مرة تظهري فيها فعلًا.»

11. الاختيار الأخير

في آخر يوم من السنة، دانتي دعاني للعشاء في مطعم صغير بعيد عن الأماكن اللي بيروحها رجال الأعمال. ما كانش فيه حراس واقفين عند الباب، ولا ناس بتقوم من مكانها أول ما يدخل. كان فيه ترابيزة جنب الشباك، وشمعتان، وهدوء غريب على راجل حياته كلها مليانة ضوضاء. بعد العشاء، أخرج من جيبه مفتاحًا صغيرًا وحطه قدامي: «ده مفتاح المكتب الجديد في الورشة. هتديري قسم الترميم بنفسك من أول الشهر الجاي.» بصيتله بدهشة: «إنت بتثق فيا للدرجة دي؟» «أنا بثق في شغلك. والثقة في الناس بتبدأ لما تديهم فرصة يثبتوا نفسهم، مش لما تطلب منهم يفضلوا تحت عينك طول الوقت.» مسكت المفتاح. كان صغيرًا جدًا، لكنه بالنسبة لي كان أثمن من كل المجوهرات اللي اتقدمت لي في ليلة فرحي اللي ما حصلش. دانتي سكت شوية، وبعدها قال: «وفيه سؤال تاني، لو تسمحيلي أسأله.» قلبي دق أسرع: «اتفضل.» «إنتِ عايزة تفضلي في حياتي؟» بصيتله. كان السؤال بسيطًا، لكنه مختلف عن كل الأسئلة اللي اتسألتها طول عمري. ما كانش بيسألني إذا كنت هسمع كلامه، ولا إذا كنت هسيب شغلي، ولا إذا كنت هغير نفسي عشان أكون مناسبة له... كان بيسألني إذا كنت عايزة. قلت: «أيوه. بس مش عايزة أبقى مسؤولة عن سعادتك، ولا إنت تبقى مسؤول عن سعادتي.» ابتسم: «اتفاق ممتاز.» «ومش عايزة أسرار.» «وأنا كمان.» «ومش عايزة حد يقرر عني.» مد إيده فوق الترابيزة، لكنه ما مسكش إيدي غير لما أنا قربتها منه: «يبقى اتفقنا.» ما كانش فيه وعد أبدي، ولا إعلان حب مبالغ فيه، ولا كلام عن إن راجلًا واحدًا أنقذني من العالم كله. كان فيه شخصان اختارا يبدآ من مكان واضح، من غير أقنعة ولا ديون عاطفية. وبالنسبة لي، ده كان أجمل بكتير.

12. النهاية اللي اختارتها إيلينا بنفسها

بعد سنتين من ليلة الهروب، رجعت مصر مرة أخيرة لحضور افتتاح مؤسسة صغيرة أسستها من جزء من ميراث يوسف، سمّيتها «مساحة اختيار». كانت المؤسسة بتساعد الشابات اللي بيتعرضوا لضغط أسري أو تهديد عشان يتجوزوا أشخاصًا مش عايزينهم، وتوفر لهم استشارات قانونية ودعمًا يساعدهم ياخدوا قرارات آمنة من غير ما يضطروا يختفوا أو يقطعوا علاقتهم بكل الناس. ما كنتش عايزة أحكي قصتي عشان أظهر بطلة. كنت عايزة البنات يعرفوا إن رفضهم مش جريمة، وإن الهروب مش لازم يكون الحل الوحيد، وإن طلب المساعدة مش عيب.

في يوم الافتتاح، وصلتني رسالة من أبويا: «إيلينا، شفت صور المؤسسة. يوسف كان هيفتخر بيكي. وأنا فخور بيكي، حتى لو ما بقيتش جزءًا من حياتك زي الأول. أتمنى في يوم تسمحيلي أكون أبوكي من جديد، بالطريقة اللي إنتِ تختاريها.» قرأت الرسالة مرتين، وبعدين كتبت: «أنا مش جاهزة نرجع زي زمان. لكن ممكن نبدأ نتكلم من جديد، خطوة بخطوة. بشرط إنك تسمعني، حتى لما أقول حاجة مش على هواك.» ما طلبتش منه وعدًا كبيرًا، وما ادّعتش إن كل الجروح اتعالجت. لكنني فتحت بابًا صغيرًا، بإرادتي، ومن غير ما أسمح لحد يدفعني من وراه.

في المساء، رجعت شيكاغو. دانتي كان مستنيني في الورشة، جنب الموستنج السودا موديل 1967. العربية كانت اتصلحت بالكامل، واشتغلت لأول مرة من غير أي تقطيع. شغّل المحرك، وبصلي مبتسمًا: «اسمعي الصوت ده.» وقفت جنبه، وغمضت عيني. صوت المحرك كان ثابتًا وناعمًا. نفس العربية اللي كشفت له شطارتي أول مرة، واللي بسببها بدأ يشك في هويتي. ضحكت: «مفيش أي مشكلة.» دانتي أشار للموتور: «أهو، أخيرًا حاجة في حياتنا طلعت من غير أسرار.» ضحكت أكتر. وبعدين أخرجت من جيبي صورة صغيرة ليوسف، وحطيتها فوق المكتب. ما كنتش محتاجة أخبيها. ما كنتش محتاجة أغير اسمي. وما كنتش محتاجة أقنع أي حد إني أستحق أعيش.

أنا إيلينا رشاد. البنت اللي هربت من فرح اتفرض عليها، وقصت شعرها عشان تقدر تبدأ من جديد، وعاشت سبع شهور باسم آدم، واكتشفت إن أخوها الراحل ساب لها أكتر من ميراث... ساب لها الحقيقة، وساب لها فرصة تختار. أما دانتي موريتي، الرجل اللي كان الجميع بيخافوا منه، فما كانش البطل اللي أنقذني من كل شيء. كان الرجل اللي وقف جنبي، وساب لي المساحة عشان أنقذ نفسي بنفسي. وفي النهاية، ما رجعتش لحياتي القديمة، وما قضيتش عمري كله هاربة منها. بنيت حياة جديدة، فيها شغلي، وقراراتي، والناس اللي اخترت أثق فيهم، والحب اللي ما طلبش مني أختفي عشان أستحقه. لأن أصعب انتصار مش إنك تهزم الناس اللي حاولوا يتحكموا في حياتك... أصعب انتصار إنك تعيش حياتك من غير ما تفضل طول الوقت بتثبت لهم إنك نجوت.

وفي ليلة هادية، وأنا بقفل باب الورشة، دانتي ناداني: «إيلينا!» لفيت ناحيته: «نعم؟» ابتسم وقال: «بكرة عندنا عربية جديدة محتاجة شغل.» ضحكت، وأخدت منه المفتاح: «هكون هنا الساعة تسعة.»

مشيت ناحية عربيتي، والهواء البارد بيحرّك أطراف شعري القصير. ولأول مرة من سنين، ما بصيتش ورايا.

تم نسخ الرابط