بعد سبع شهور من يوم ما قصّيت شعري
خان دانتي... لكنه ما خانش إيلينا
دانتي ما اتكلمش لمدة ثوانٍ. وبعدين طلب من رجاله يجيبوا توني. دخل توني المكتب، ولما شافني واقفة جنب دانتي، فهم إن كل حاجة اتكشفت. دانتي حط قدامه صورة من سجل الدخول الإلكتروني: «عندك حاجة تقولها؟» توني بص للأرض: «أنا ما كنتش عايز أوصل الموضوع لكده.» دانتي ضرب بكفه على المكتب: «إنت سربت معلومات من مكتبي! فيه تفسير غير الخيانة؟» توني رفع عينيه: «أنا سربت معلومات عن مواعيد الشغل، وعن الملفات القديمة. لكن ما سربتش مكان إيلينا، وما كنتش أعرف هي مين في الأول.» اتجمدت: «إنت كنت عارف؟» توني بصلي بأسف: «من شهرين، شفت ورقة قديمة في درج مكتبك فيها اسمك الحقيقي. ما فتحتهاش، لكن شفت صورتك اللي كانت جواها. وبعدها عرفت إنك البنت اللي بيدوروا عليها.» «وسكت؟» «أيوه. لأني شفتك كل يوم بتيجي تشتغل وإنت خايفة، وكنت عارف إنك مش هربانة عشان تسرقي أو تأذي حد.» دانتي قال ببرود: «ولما عرفت، قررت تبيع معلوماتي؟» توني أخرج موبايله من جيبه: «ابني عليه ديون كبيرة بسبب عملية نصب، وكريم وصل له. هددني إنه هيأذيه لو ما ساعدتوش يعرف مكان الملفات اللي بتراجعوها. أنا ما ادتلوش كلمة سر الخزنة، وما اديتلوش التسجيل. كنت بحاول أعرف هو عايز إيه بالضبط.» «وكان ممكن تيجي تقولي،» دانتي قال. توني هز رأسه: «كنت خايف.» دانتي فضل ساكتًا. أنا كنت غاضبة، لكني كنت فاهمة معنى الخوف اللي يخلي الإنسان يتصرف غلط وهو فاكر إنه بيحمي حد بيحبه. قلت: «هل تعرف إذا كان كريم عنده نسخة من المستندات الأصلية؟» توني رفع رأسه: «أيوه. هو عنده نسخة من ملف يوسف، وفيه ورقة واحدة بالذات كان بيسأل عنها في المكالمات.» «إيه هي؟» «سجل صيانة العربية قبل الحادثة، والأسماء اللي وافقت على تغيير بعض أجزائها.» دانتي سأله: «عندك النسخة؟» توني أومأ: «أنا احتفظت بصورة من السجل قبل ما أسلّم باقي الملفات لكريم. ما كنتش أعرف إنها مهمة بالشكل ده، لكن لما سمعت اسمه في التسجيل، خفت.» أخرج فلاشة صغيرة، ووضعها على المكتب: «كل حاجة هنا.» دانتي أخذها، لكنه ما سمحش لتوني يمشي: «هتفضل تحت المراقبة لحد ما المحامي يراجع كل اللي عندك. ولو طلعت بتكدب في أي تفصيلة، مش هقدر أحميك من عواقبها.» توني أومأ. وقبل ما يخرج، بصلي: «أنا آسف يا إيلينا.» ما سامحتوش في اللحظة دي. لكنني فهمت إن الحقيقة مش دايمًا بتتقسم بين ناس طيبين وناس أشرار. ساعات الخوف بيخلّي ناس كويسة ترتكب أخطاء كبيرة، والفرق الحقيقي بيبان لما يقرروا يصلحوا اللي عملوه.
6. المواجهة الأخيرة مع أبي
بعد يومين، المحامي أكد إن المستندات الجديدة بتدعم وجود مخالفات مالية خطيرة، وإن فيه أدلة تستدعي تحقيقًا رسميًا في حادثة يوسف. وفي نفس الوقت، وصلني طلب من أبويا لمقابلتي. ما كانش طلبًا حقيقيًا؛ كان بيقول إنه عايز يشوفني خمس دقايق، وإنه مستعد يتنازل عن كل حاجة لو رجعت معاه مصر. وافقت على مقابلته، لكن بشروطي: مكان عام، والمحامي موجود، ومفيش أي محاولة لإجباري على السفر. دانتي عرض ييجي معايا. رفضت في البداية، لكنه قال: «مش هتكلم بدل منك. هكون موجود بس لو احتجتي مساعدة.» وافقت.
قابلت أبويا في قاعة اجتماعات صغيرة داخل مكتب المحامي. أول ما دخل، وقف مكانه. بصلي من رأسي لرجلي، وكأنه مش قادر يستوعب إن البنت اللي كان بيختار لها كل حاجة، واقفة قدامه بإرادتها، من غير ما تستأذنه حتى في طريقة لبسها. قال بصوت مخنوق: «إيلينا...» ما رديتش. قرب خطوة: «إنتِ عارفة أنا دورت عليكي قد إيه؟» قلت بهدوء: «دورت عليا عشان كنت خايف عليا، ولا عشان كنت خايف الناس تعرف إن بنتك رفضت الجوازة اللي رتبتها؟» وشه اتغير: «إنتِ مش فاهمة حاجة. أنا كنت بحميكي.» ضحكت بمرارة: «بتحميني من إيه يا بابا؟ من إني أختار جوزي؟ من إني أقول لأ؟ من إني أعيش حياة مختلفة عن الحياة اللي رسمتها لي؟» ضرب بكفه على الترابيزة: «كريم كان مناسب! كان هيحافظ على اسم العيلة، وكان هيضمن مستقبلك!» «مستقبلي؟ ولا مستقبل شركاتك؟» سكت. طلعت صورة المستندات اللي المحامي جهزها، وحطيتها قدامه: «يوسف اكتشف التحويلات المالية قبل ما يموت. وإنت كنت عارف إنه بيجمع أدلة. وبعد موته، بدل ما تحاول تعرف الحقيقة، قررت تزوّجني لكريم.» أبويا بص للأوراق، وبعدها رفع عينيه: «إنتِ بتتهميني إني قتلت أخوكي؟» «أنا بسألك كنت تعرف إن فيه حد بيستخدم شركتك في تحويلات غير قانونية؟» سكت فترة طويلة، وبعدين قال جملة ما كنتش متوقعاها: «أنا كنت عارف إن كريم بيعمل معاملات مش واضحة. لكن ما كنتش أعرف إن الموضوع وصل ليوسف.» قلبي وجعني: «ولما يوسف مات؟» غمض عينيه: «كريم قال لي إنها حادثة، وإن فتح الملفات هيضيع الشركة ويضيّعنا كلنا. أنا صدقته... أو يمكن اخترت أصدقه.» «وإنت لما قررت تجوزني له، كنت عارف إنه ضغط على يوسف؟» «ما كنتش أعرف كل التفاصيل.» هزيت راسي ببطء: «حتى لو ما كنتش عارف كل حاجة، إنت عرفت إن كريم بيضغط عليا، وسمعته وهو بيهددني، وسكت. إنت ما كنتش محتاج تعرف كل جرائمه عشان تعرف إنك بتسلّم بنتك لراجل بيخوفها.» لأول مرة، شفت أبويا من غير الغضب اللي كنت بخاف منه طول عمري. شفت راجلًا كبيرًا، متمسكًا بعالمه لدرجة إنه ما انتبهش إنه بيخسر أولاده واحدًا وراء التاني. مد إيده ناحيتي: «ارجعي معايا. هنصلح كل حاجة. هنلغي الجوازة، وهديكي حقك، وكل اللي إنتِ عايزاه.» بصيت لإيده، لكني ما مسكتهاش: «أنا مش عايزة فلوس مقابل إني أسامحك. ومش عايزة اعتذار يرجعني لنفس البيت اللي هربت منه.» دموعه نزلت: «يعني مش هتسامحيني؟» قلت: «أنا لسه بنتك، حتى لو مش قادرة أسامحك دلوقتي. لكن كوني بنتك مش معناه إنك تملك حياتي.» وقفت: «الحقيقة هتظهر، يا بابا. لو إنت بريء من اللي حصل ليوسف، خليك أول واحد يساعد في كشفها. ولو كنت غلطان، لازم تتحمل مسؤولية غلطك.» خرجت من القاعة وأنا حاسة بألم كبير، لكن لأول مرة ما كنتش حاسة بالذنب. ما كنتش مسؤولة عن إصلاح أبي. وما كنتش مسؤولة عن إنقاذ اسم العيلة على حساب نفسي.
7. كريم البدري يرتكب الغلطة اللي أنهت كل شيء
كريم ما استناش التحقيق يوصل له. في الليلة اللي بعد مقابلتي لأبويا، وصلني اتصال من رقم مجهول. صوت كريم كان واضحًا من أول كلمة: «مساء الخير يا إيلينا.» إيديا بردت: «عايز إيه؟» «عايزك تبطلي لعب العيال ده. أبوكي تعبان، والشركة كلها على وشك الانهيار بسببك.» «الشركة مش شركتي، وأنا ما عملتش حاجة غير إني طلبت حقي.» ضحك: «حقك؟ إنتِ فاكرة إنك تقدري تقفي قدامي؟ أنا أقدر أخلي كل واحد ساعدك يندم.» سمعت صوت باب بيتقفل في الخلفية، وبعدين قال: «عندي عرض أخير. ترجعي مصر، وتوقّعي التنازل عن حصة يوسف، ونقفل الموضوع. وإلا كل حاجة هتطلع للناس، بما فيها اختفاؤك وهويتك المزيفة.» قلت: «أنا مش خايفة من إن الناس تعرف إني هربت من جوازة بالإكراه.» سكت للحظة: «يبقى إنتِ اخترتي الطريق الصعب.» وقفل.
أبلغت المحامي فورًا، وسلّمناه تفاصيل المكالمة. وبناءً على تهديداته والأدلة اللي كانت موجودة بالفعل، تم توثيق الاتصال وضمّه لملف القضية وفق الإجراءات القانونية. بعدها بيومين، كريم حاول يعمل آخر حركة؛ بعت مستندًا مزورًا إلى الجهة المسؤولة عن تسجيل حصة يوسف، مدعيًا إن إيلينا تنازلت عنها قبل سفرها. لكن المحامي كان مستعدًا. قدّم النسخة الأصلية من الوصية، وسجلات التوقيع، وشهادة الشخص اللي استلم المستندات من يوسف، وطلب فحصًا فنيًا للمحرر الجديد. النتيجة الأولية كشفت اختلافات واضحة في التوقيع، وبيانات إلكترونية لا تتفق مع التاريخ المكتوب على المستند.
وفي نفس الوقت، سجل الصيانة اللي احتفظ بيه توني كشف إن العربية اللي مات فيها يوسف اتعمل فيها تغيير غير مبرر في أحد مكونات نظام التوجيه، وإن طلب الصيانة اتسجل باستخدام بيانات شركة لم تعد مخولة بتنفيذ العمل. المعلومة دي ما كانتش كفاية وحدها لإثبات إن الحادثة كانت مدبرة، لكنها فتحت بابًا جديدًا للتحقيق. الشرطة استدعت الأشخاص اللي ظهرت أسماؤهم في السجلات، واتراجع التسجيل الصوتي، والتحويلات المالية، والمراسلات المرتبطة بكريم. وبعد أسابيع من التحقيق، اتضح إن كريم كان متورطًا في تزوير مستندات مالية، ومحاولة الاستيلاء على حصة يوسف، وتهديد شهود لإخفاء مخالفات الشركة. أما بخصوص وفاة يوسف، فالأدلة الجديدة أثبتت وجود تدخل متعمد في سجل صيانة السيارة، لكن تحديد المسؤولية الجنائية عن الحادثة احتاج تحقيقًا مستقلًا. وفي النهاية، كشفت المراسلات وسجلات الدفع إن أحد مساعدي كريم هو اللي دبّر عملية الصيانة المشبوهة بناءً على تعليماته، وإن الغرض كان تعطيل يوسف ومنعه من تسليم الملفات في الوقت المحدد. لكن يوسف مات قبل ما تتضح له الصورة كاملة.
كريم اتقبض عليه، واتوجهت له اتهامات رسمية في قضايا التزوير والاحتيال والتهديد والتورط في التلاعب بسجلات الصيانة. ومع استمرار الإجراءات القضائية، ظهرت أدلة إضافية أدت إلى إدانته في الجرائم المالية والتزوير، بينما استُكملت إجراءات قضية الحادثة على أساس الأدلة الفنية وشهادات المشاركين. ما كانش فيه مشهد سينمائي لكريم وهو بيصرخ أو بيترجّى؛ كان فيه بس رجل اعتاد طول عمره إن الناس تخاف منه، وفجأة اكتشف إن الخوف مش دليل براءة، وإن النفوذ مش قادر يمسح كل أثر سابه وراه. أما أبويا، فبعد مراجعة حسابات الشركات، اعترف بمخالفات مالية كان وافق عليها، وقدم مستندات ساعدت التحقيق. واتحمل المسؤولية القانونية عن الأفعال اللي ثبتت مشاركته فيها، وخسر جزءًا كبيرًا من نفوذه التجاري. لأول مرة، ما قدرتش أكرهه بالكامل، ولا قدرت أسامحه بالكامل. لكنني ما عدتش محتاجة أعمل أي واحدة من الحاجتين عشان أعيش.
8. ليه دانتي موريتي ما طلبش مني أرجع لأنوثتي؟
بعد انتهاء المرحلة الأصعب من التحقيق، كنت قاعدة في الورشة، بفك موتور عربية قديمة، لما دانتي دخل. حط قدامي كوب قهوة، وقعد على الكرسي المقابل: «عندي سؤال.» «اتفضل.» «ناوية تفضلي آدم طول عمرك؟» إيديا وقفت عن الشغل. السؤال اللي كنت بخاف أسمعه من أي حد، جه أخيرًا من الشخص الوحيد اللي كنت بدأت أحس معاه بالأمان. قلت: «مش عارفة.» دانتي هز راسه: «تمام.» بصيتله باستغراب: «تمام إزاي؟» «يعني مش لازم تعرفي دلوقتي. إنتِ قضيتي سبع شهور بتختاري كل تفصيلة في حياتك على أساس إزاي تخبي نفسك. يمكن محتاجة وقت عشان تعرفي إنتِ عايزة إيه فعلًا، بعيدًا عن الخوف.» نزلت عيني للموتور: «أنا تعبت من الهروب.» «يبقى ما تهربيش. لكن ده مش معناه إنك ترجعي لمكان بيأذيكي.» سكتنا شوية، وبعدين سألته: «ليه ساعدتني من الأول؟ إنت ما تعرفنيش.» دانتي سند ضهره: «لأنني أعرف شكل الشخص اللي بيعيش طول الوقت مستعد للدفاع عن نفسه، حتى وهو قاعد في مكان آمن.» بصلي مباشرة: «أنا خسرت أختي الصغيرة من سنين. كانت عايزة تعيش حياتها بطريقتها، وعيلتنا كانت شايفة إن ده عيب لازم يتصلح. فضلت أقول لنفسي إني بحميها، لحد ما اكتشفت إن الحماية اللي بتسلب الإنسان حق الاختيار مش حماية.» كانت دي أول مرة يحكيلي حاجة شخصية عنه. «أختك حصل