بعد سبع شهور من يوم ما قصّيت شعري

لمحة نيوز

وهربت من شباك أوضة الغسيل. ما بكيتش. كنت فاكر إني خلصت كل دموعي من زمان. لما سكت، دانتي فضل باصصلي، وملامحه بقت جامدة بشكل غريب: «وإنت فاكر إنك لما هربت، كده الموضوع انتهى؟» ضحكت ضحكة قصيرة من غير فرحة: «لأ. أنا عارف إنهم لسه بيدوروا عليا. بس على الأقل، أنا اللي باختار أصحى فين، وأنام فين، وأشتغل إيه.» دانتي رجع بضهره للكرسي: «عندك حق في حاجة واحدة. إنت مش ملك حد.» وبعدين فتح درج مكتبه، وطلع ظرفًا صغيرًا: «ده مرتب شهرين مقدم. لو عايز تمشي من الورشة، مش همنعك.» بصيتله باستغراب: «مش هتبلغ عني؟» «أنا ما وعدتكش بحاجة لسه.» قام وقف، واتجه للشباك: «لكن عندي سؤال أخير. إنت فعلًا بتحب الميكانيكا، ولا اتعلمتها عشان تهرب؟» فكرت في يوسف. في إيده وهي بتعلمني أمسك المفتاح، وفي ضحكته لما كنت بفك قطعة وأرجع أركبها غلط، وفي اليوم اللي قالي فيه إن إيديا أذكى من ناس كتير بتتكلم طول الوقت. «بحبها. دي الحاجة الوحيدة اللي بحس إنها بتاعتي.» دانتي التفت ناحيتي: «يبقى خليك. لكن من النهارده، مفيش كذب بينا.»

كنت على وشك أسأله إذا كان بيتكلم بجد، لما موبايله رن. رد، واستمع لثوانٍ، وبعدها وشه اتغير: «إيه؟... إمتى؟... محدش يلمس حاجة. أنا جاي.» قفل، وخد مفاتيحه. قبل ما يخرج، بصلي وقال: «إيلينا، في حاجة لازم تعرفيها.» دي كانت أول مرة ينطق اسمي الحقيقي. «الراجل اللي بيدور عليكي مش من رجالة أبوكي.» سكت لحظة: «ده محامي أخوكي يوسف.»

2. الرسالة اللي أخويا سابها قبل موته

حسيت إن نفسي اتسحب مني. «يوسف مات من سنة!» «أنا عارف.» «يبقى إزاي محاميه بيدور عليا دلوقتي؟» دانتي مد إيده بالملف: «عشان المحامي ده كان بيدور على حد يقدر يسلّمه وصية يوسف الأصلية. والوصية دي اختفت من مكتب المحاماة بعد موته بأسبوع.» فتحت الملف بإيدين بيرتعشوا. كان فيه صورة لرجل في الخمسينات، وصورة تانية لمستند مختوم. لكن اللي خلاني أنسى إني كنت متنكرة، وأنسى إني قاعدة قدام أخطر رجل في شيكاغو، كانت جملة مكتوبة بخط إيد يوسف على ورقة مصورة: «لو إيلينا اضطرت تهرب يومًا، ما ترجعوهاش بالقوة. ساعدوها تلاقي الحقيقة بنفسها.» حطيت إيدي على بقي. يوسف كان عارف. كان عارف إن أبويا ممكن يوصل بيا لمرحلة إني أهرب من بيتي. لكن ليه ما قاليش؟ دانتي قال: «المحامي مستنيكي في مكان عام. لو وافقتي، هروح معاكي.» هزيت راسي: «لأ. أنا لازم أروح لوحدي.» «ده مش قرار حكيم.» «طول عمري ناس بتقرر عني. المرة دي، أنا اللي هقرر.» فضل باصصلي لحظة، وبعدها حط المفتاح على المكتب: «تمام. لكن هتروحي بعربيتي، والسواق هينتظرك على الباب. مش هتدخلي أي مكان لوحدك لو حسيت إن فيه خطر.» وافقت. لأول مرة من سبع شهور، خرجت من الورشة من غير ما أحس إني بهرب. كنت رايحة أواجه ماضيي.

وصلت للمقهى في شارع هادي، ولقيت المحامي قاعد في آخر ترابيزة، قدامه ملف جلدي قديم. أول ما شافني، وقف: «آنسة إيلينا؟» ما عرفتش أرد. طلع من جيبه صورة قديمة ليوسف، كان لابس فيها قميصًا أبيض وبيضحك للكاميرا: «أخوكي سلّمني الصورة دي قبل الحادثة بأسبوعين. وقال لي لو اختفيتي، ما أدورش عليكي عشان أرجعك. أدور عليكي عشان أسلّمك الأمانة.» قعدت قدامه: «إيه الأمانة؟» فتح الملف، وطلع ورقة أصلية عليها توقيع يوسف، ومعاها نسخة من عقد تأسيس شركة. قال: «أخوكي اكتشف إن والدك كان بينقل أموال من شركات العيلة لحسابات خارجية، وإن كريم البدري كان شريكًا في جزء من العمليات دي. يوسف رفض يوقّع على مستندات بتثبت إن التحويلات قانونية، وبدأ يجمع أدلة.» حسيت بالغثيان: «إنت بتقول إن أبويا كان بيستخدم شركاته في حاجات غير قانونية؟» «أنا بقول إن يوسف اكتشف معاملات مشبوهة، وإن المستندات اللي جمعها كانت كفاية تفتح تحقيقًا ماليًا كبيرًا. لكن قبل ما يسلّم الأدلة، مات في حادثة العربية.» بصيت للورق، وحاولت أستوعب: «يعني أبويا قتله؟» المحامي رفع إيده بسرعة: «ما عنديش دليل يثبت إن الحادثة كانت مدبرة، ومش هقولك حاجة ما أقدرش أثبتها. لكن فيه حاجة مؤكدة: بعد موته، حد دخل مكتبه وأخذ الملف الأصلي، وفي نفس الأسبوع، أبوكي أعلن إنك هتتجوزي كريم.» «وليه كريم بالذات؟» المحامي طلع ورقة تانية: «لأن يوسف كان المساهم الأكبر في شركة نقل مهمة، وكان من حقه يوصي بنصيبه. والوصية بتقول إنك هترثي حصته لو اختارتي قبولها بعد بلوغك الخامسة والعشرين، بشرط إنك ما تتنازليش عنها تحت ضغط أو إكراه.» بصيتله بذهول: «أنا كملت خمسة وعشرين من شهرين.» «بالضبط. وبموجب الوصية، بقى من حقك المطالبة بحصة يوسف، اللي قيمتها الحالية بتتجاوز سبعة ملايين دولار.» حسيت إن المقهى كله بيلف بيا. سبعة ملايين دولار؟ أنا اللي هربت ومعايا 684 دولار، وكنت بشتري الأكل الأرخص عشان الفلوس تكفيني لآخر الأسبوع؟ ضحكت من شدة الصدمة، وبعدها دموعي نزلت من غير ما أقدر أوقفها. المحامي استنى لحد ما هديت، وبعدين قال: «فيه مشكلة واحدة.» مسحت وشي: «إيه؟» «أبوكي وكريم عندهم نسخة من الوصية القديمة، وبيحاولوا يثبتوا إنك تنازلتي عن حقك قبل اختفائك. لو قدروا يقدموا مستندًا بالتنازل، الموضوع هيتعقد جدًا.» افتكرت اليوم اللي أبويا طلب مني أمضي على مجموعة أوراق بحجة إنها تخص ترتيبات الفرح. رفضت أمضي، وهو غضب وقتها، لكني ما كنتش أعرف إيه الموجود فيها. قلت للمحامي: «أنا ما تنازلتش عن أي حاجة.» «كويس. لأن يوسف كان متوقع إن ده ممكن يحصل.» طلع ظرفًا أبيض، عليه اسمي بخط أخويا: «ودي رسالته الأخيرة ليكي.» فتحت الظرف. كانت الورقة قصيرة، لكن كل كلمة فيها كانت بتوجعني:

«إيلينا، لو بتقري الكلام ده، يبقى أنا ما قدرتش أكون جنبك وقت ما احتجتيني. أنا آسف إني ما قدرتش أغيّر أبوكي، وآسف إني سبتك لوحدك قدام ناس شايفة إن حياتك صفقة. عايزك تعرفي إنك مش ضعيفة عشان بتخافي، ومش أنانية عشان بترفضي حياة ما اخترتيهاش. ما تدخليش حرب عشان تنتقمي ليّا. ادخليها بس لو عايزة تستردي حياتك. وأهم حاجة، ما تثقيش في أي حد لمجرد إنه بيقول إنه بيحميكي. شوفي أفعاله. بحبك يا أختي. يوسف.»

ضمّيت الورقة لصدري، وبكيت زي طفلة. يوسف ما كانش سايبلي فلوس وبس... كان سايبلي فرصة أرجع أعيش باسمي. لكن وأنا خارجة من المقهى، المحامي مسك دراعي بخفة: «آنسة إيلينا، فيه حاجة لازم تعرفيها قبل ما تمشي.» بصيتله: «إيه؟» «الحادثة اللي مات فيها يوسف... العربية اللي كان سايقها اتصلحت في ورشة أمريكية قبل الحادثة بأسبوع. وفي التقرير اللي وصلني، فيه اسم شركة صيانة مرتبطة بعيلة موريتي.» اتجمدت. دانتي.

3. السر اللي دانتي نفسه ما كانش يعرفه

رجعت الورشة وأنا مش شايفة قدامي. كنت فاكرة إن دانتي ساعدني من غير ما يعرفني، وإنه أول شخص في حياتي يسيبلي حرية الاختيار من غير ما يطلب مقابل. لكن لو شركته كانت مرتبطة بالعربية اللي مات فيها يوسف، فهل كان عارف حاجة؟ دخلت مكتبه من غير ما أخبط. كان واقف جنب المكتب بيتكلم في التليفون. أول ما شافني، قفل المكالمة: «حصل إيه؟» حطيت التقرير قدامه: «عايزة إجابة واحدة، ومن غير لف ودوران.» قرأ الورقة، وملامحه اتغيرت: «إنت جبتي ده منين؟» «ده مش مهم. المهم إن اسم شركتك موجود في تقرير صيانة عربية أخويا قبل ما يموت.» دانتي ما حاولش ينكر. فتح الكمبيوتر، وطلب من مدير مكتبه يجيب سجل الصيانة القديم. بعد عشر دقايق، كان قدامه ملف إلكتروني فيه رقم العربية، وتاريخ دخولها، واسم الشركة اللي استلمتها. دانتي فضل يقلب في السجلات، وبعدها وقف عند سطر معين: «العربية دي ما دخلتش ورشتي.» «بس الشركة اللي صلحتها تابعة ليك.» «لأ. الشركة دي كانت متعاقدة معانا من سنين، لكن العقد انتهى قبل وفاة أخوكي بستة شهور.» قرب الشاشة ناحيتي. كان فيه اسم المدير المسؤول عن التعاقد: «فيكتور سالفاتوري.» وش دانتي بقى جامد بشكل مخيف: «فيكتور كان مدير العمليات عندي لمدة تمنتاشر سنة.» «وكان فين دلوقتي؟» «مات من أربع سنين.» بصيتله: «يبقى إزاي اسمه موجود؟» دانتي قفل الملف: «عشان حد استخدم بيانات قديمة عشان يمرر شغل باسمه.» وقف فجأة، واتجه للخزنة الموجودة خلف مكتبه، وفتحها بمفتاح صغير. طلع منها دفترًا أسود، وبدأ يقلب صفحاته: «من تلات سنين، فيكتور اختفى بعد ما اكتشفت إنه بيستخدم شركتي في معاملات ما وافقتش عليها. وقتها قدرت أوقف أغلب العمليات، لكن ما وصلتش لكل الناس اللي كان بيتعامل معاهم.» رفع عينيه ليا: «لو حد استخدم اسم الشركة في صيانة عربية أخوكي، فده معناه إن الموضوع أكبر من مجرد خلاف عائلي.» قلت وأنا بحاول أتحكم في صوتي: «أنا مش عايزة أدخل في حربك يا دانتي. أنا عايزة أعرف مين كان مسؤول عن العربية اللي مات فيها أخويا.» رد بهدوء: «وده حقك.» وبعدين قفل الدفتر: «لكن فيه حاجة أنا مش هقدر أوعدك بيها.» «إيه؟» «إن الإجابة هتعجبك.»

4. الخيانة اللي ما كانتش في الحسبان

خلال الأسبوع اللي بعده، المحامي بدأ يجمع المستندات اللازمة لحماية حقي في الميراث، ودانتي كلّف فريقًا قانونيًا مستقلًا بمراجعة سجلات الشركة القديمة. وأنا رجعت للشغل. كنت محتاجة أشتغل بإيديا عشان عقلي ما يفضلش محبوسًا في الماضي. لكن اللي ما كنتش أعرفه إن أبويا وصل لشيكاغو. في مساء يوم خميس، كنت بقفل صندوق العِدّة، لما لقيت توني داخل عليا بسرعة: «آدم، دانتي عايزك في المكتب حالًا.» طلعت، ولقيت دانتي واقف قدام الشاشة الكبيرة، عليها صورة من كاميرا المراقبة الخارجية. رجل طويل، شعره بدأ يشيب، نازل من عربية سوداء. عرفته في ثانية. أبويا. رجلي ما بقتش شايلاني. دانتي قال: «جالك خطاب رسمي من محاميه. بيقول إنك بنت مفقودة وإنه عايز يرجعك مصر.» «هو عارف إني هنا؟» «واضح إنه عارف.» قعدت على الكرسي: «هتسلمني له؟» دانتي بصلي نظرة طويلة: «إنت لسه ما فهمتيش؟ أنا مش هسلّمك لحد.» لكن قبل ما أقدر أتنفس، موبايله رن. المرة دي كان المتصل المحامي. دانتي رد على مكبر الصوت: «لقينا مستندات جديدة،» قال المحامي، «فيه تحويلات مالية خرجت من حساب شركة يوسف قبل وفاته بيومين، والتوقيع الإلكتروني المستخدم فيها مرتبط بجهاز موجود في مكتب كريم البدري.» سكت لحظة، وبعدين أضاف: «والأهم إن فيه تسجيلًا صوتيًا من اجتماع قديم بين كريم وفيكتور سالفاتوري، بيتكلموا فيه عن تعطيل تسليم مستندات معينة ليوسف.» حسيت إن قلبي وقف: «يعني هما اللي قتلوه؟» المحامي رد بحذر: «التسجيل وحده ما يثبتش إنهم تسببوا في الحادثة، لكنه دليل مهم على إنهم كانوا بيحاولوا يمنعوه من كشف المعاملات.» دانتي بصلي: «لازم التسجيل يوصل للجهات المختصة، وتتراجع الأدلة كلها بشكل قانوني.» هزيت راسي، وأنا بحاول أتمسك بالأمل. لكن الباب اتفتح فجأة. دخل رجل من رجالة دانتي، وشه شاحب: «باشا، عندنا مشكلة.» «اتكلم.» «تليفون المكتب اتراقب، وفيه حد حاول يدخل على ملفات القضية من حساب داخلي.» دانتي سأل بحدة: «مين الحساب؟» الرجل تردد، وبعدين قال اسمًا واحدًا: «توني مراد.» مدير الورشة اللي كنت بثق فيه من أول يوم.

5. الرجل اللي

تم نسخ الرابط