الكارت اترفض قدام الكاشير فطلبت منها تشيل لبن بنتي الرضيعة من الحساب…
باصة له من غير ما أتكلم.
ماحصلش بينا بوسة في اللحظة دي، ولا قال لي كلام رومانسي مثالي زي اللي بنشوفه في الأفلام.
حكايتنا عمرها ما كانت بالشكل ده.
يوسف ببساطة، فضّل موجود.
وده في الآخر كان كفاية.
لما مريم تعبت في نص الليل، جه بنفسه ومعاه الأدوية وشنطة مليانة حاجات محدش طلبها منه.
ولما اضطرّيت أشتغل لوقت متأخر، قعد مع البنات واتعشّى معاهم.
ولما يوسف كان بيحكي لي عن نادية، كنت بسمعه باهتمام.
عمري ما حاولت أنافس ست ماتت، ولا حسيت إن وجودي في حياته معناه إنه لازم يمسح ذكرياتها.
مع الوقت، فهمت إنك ممكن تحب شخص جديد من غير ما تمحو الشخص اللي كان موجود قبله.
وبالتدريج، صداقتنا بدأت تتحول لحاجة أعمق.
وفي ليلة، بعد ما نوّمنا البنات، قعدنا في مطبخ بيته نشرب القهوة.
فجأة قال
عندي مشكلة.
بصيت له وقلت
عملت إيه؟
ردّ
لسه ماعملتش حاجة.
قلت له
كده الموضوع شكله أخطر!
ابتسم وقال
وقعت في حب واحدة بتزعق لي كل ما أشتري حاجات كتير لبناتها.
حاولت أحافظ على ملامح جدية، وقلت
شكلها واحدة صعبة جدًا.
ردّ بسرعة
صعبة بشكل لا يُحتمل.
سألته وأنا بضحك
وأنت ناوي تعمل إيه بقى؟
قرب مني شوية وقال
أسألها إذا كان فيه احتمال إنها تكون هي كمان بتحبني.
مااحتجتش أردّ عليه بالكلام.
قربت منه وبُسته.
وبعد أكتر من سنة بشوية من الليلة اللي اتقابلنا فيها في السوبر ماركت، اتجوزنا في كنيسة صغيرة على أطراف كويريتارو.
ماكانش فيه فرح ضخم يصلح لمجلات المشاهير.
ولا أربعمية مدعو.
كان فيه بس ناس قريبة مننا، وزهور بسيطة، وبنتين مقتنعتين إن الفرح معمول أساسًا عشانهم هما.
مريم كانت لابسة فستان موف فاتح، وماسكة سلة صغيرة فيها بتلات ورد.
ولما خلصت المشي في الممر، رجعت ناحيتي وقالت بجدية شديدة
ماما، أنا نسيت أنثر الورد في الناحية دي. ينفع أمشي تاني؟
انفجر كل اللي موجودين بالضحك.
ومريم رجعت تمشي للمرة التانية بكل حماس.
أما ليلى، اللي كانت بدأت تمشي خطوات صغيرة ومتلخبطة، فقررت تتجاهل كل قواعد المراسم.
أول ما شافت يوسف، جريت ناحيته على قد ما قدرت، ورفعت دراعاتها وهي بتنادي
بابا!
المكان كله سكت للحظة.
ليلى عمرها ما نادته بالكلمة دي قبل كده.
يوسف نزل لمستواها، وشالها، ودفن وشه في شعرها.
وشفت كتافه وهي بتترعش من العياط.
وأنا كمان عيطت.
بعد الجواز، حياتنا ما اتحولتش لصورة مثالية من غير أي مشاكل.
كان فيه صباحات مجنونة.
وجزم بتختفي في ظروف غامضة.
وكورن فليكس مرمي على الأرض.
وخناقات صغيرة عن مين اللي نسي يشتري الحفاضات.
ولَيالٍ ترفض فيها ليلى إنها تنام، وأيام تدخل فيها مريم في نوبة عياط لأن حد استخدم اللون الموف اللي كانت عايزاه في المدرسة.
يوسف كان بيحب كل لحظة من اللحظات دي.
اتعلّم يفك تشابك شعر البنات.
واتعلّم يجهّز لهم سندوتشات المدرسة.
واتعلّم إن بنت عندها أربع سنين ممكن تحكي خناقة حصلت في الحضانة بتفاصيل وتعقيدات تخليها شبه مفاوضات دولية!
واتعلّم كمان إنه لازم يحتفظ بتوك شعر في جيوب بدلته، لأن مريم كانت دايمًا بتضيّع التوك بتاعتها.
وفي يوم، دخلت عليه وهو واقف قدام المراية بيستعد لاجتماع شغل.
شوفته بيجمع حاجته المفاتيح، والمحفظة، والموبايل...
وبعدين طلع تلات توك شعر لونهم وردي وحطهم في جيبه.
وقفت عند الباب وقلت له
يا سلام على يوسف المنشاوي! رجل الأعمال والمستثمر... والمورّد الرسمي لإكسسوارات الأطفال!
بصّ لي بجدية مصطنعة وقال
عندي مسؤوليات لازم ألتزم بيها.
بعد كام شهر، بدأنا إجراءات قانونية عشان يوسف يتبنّى البنات رسميًا.
ولما القرار صدر أخيرًا، فضل ماسك الورق ويبصّ له فترة طويلة.
قربت منه وسألته
إنت كويس؟
هزّ راسه بالإيجاب.
مريم قربت منه وسألته
يعني كده إنت بقيت بابانا بجد؟
يوسف نزل على ركبته قدامها وقال
أنا كنت فاكر إني باباكم من زمان.
ردّت مريم بمنتهى الجدية
أيوه، بس دلوقتي معاك ورقة تثبت ده.
ابتسم يوسف وقال
يبقى الموضوع رسمي وخطير جدًا!
مريم رمت نفسها في حضنه.
الحقيقة إن الورقة ماعملتش عيلتنا.
هي بس كتبت بالحبر حاجة كانت موجودة بينا من زمان.
في أول ذكرى سنوية لجوازنا، ادّيت يوسف برواز هدية.
كان فيه من ناحية صورة فرحنا، ومن الناحية التانية ورقة قديمة مطوية، لونها بهت من الزمن.
أول ما شافها، بصّ لي بعدم تصديق وقال
مش معقول!
ابتسمت وقلت
أيوه، معقول.
كانت فاتورة السوبر ماركت.
كنت لقيتها في واحدة من الأكياس بعد أيام قليلة من الليلة اللي اتعرفنا فيها.
يوسف مرّر صباعه على الورقة القديمة وقال
أنا دخلت السوبر ماركت الليلة دي عشان ماكنتش عايز أطبخ.
ضحكت وقلت
وأنا دخلته وأنا بدعي إن الكارت يكون فيه فلوس تكفي علبة اللبن.
قال مبتسمًا
وفي الآخر اشتريت عشا مجمّد.
بصيت له وقلت
اللي ماكلتوش أصلًا.
ضحك وقال
صحيح!
قعدت جنبه وسألته
عمرك فكرت إيه اللي كان ممكن يحصل لو كنت دفعت تمن حاجتك ومشيت؟
بصّ ناحية الجنينة، حيث كانت مريم بتجري ورا ليلى حوالين ترابيزة صغيرة، والاتنين بيصرخوا من الضحك.
قال
غالبًا كنت رجعت البيت، أكلت لوحدي، وروحت الشغل تاني يوم، وفضلت أكرر نفس الحياة زي ما كنت بعمل كل يوم.
سألته
وبدل ده حصل إيه؟
مسك إيدي وقال
بدل ده، لقيت الطريق لبيتي الحقيقي.
ومع مرور السنين، بدأنا نساعد عائلات تانية في هدوء.
ماكناش بنوزّع مبالغ كبيرة من غير ما نفهم احتياجات الناس، ولا بنظهر في حياة حد باعتبارنا أبطال جايين ينقذوه.
أنا أصريت على ده.
لأني كنت لسه فاكرة كويس إحساسي تحت نور السوبر ماركت، وأنا واقفة قدام الكاشير وكارت البنك مرفوض، وبنتي بتسألني إذا كانت أختها هتقدر تشرب لبن ولا لأ.
أحيانًا كنا بندفع تمن مشتريات البيت لأسرة محتاجة.
وأحيانًا كنا بنتكفل بمصاريف حضانة أطفال لعدة أسابيع، لحد ما أهلهم يقفوا على رجليهم.
يوسف كان بيساعد الناس في كتابة سيرهم الذاتية.
وأنا كنت بجهّزهم لمقابلات الشغل.
ومرة كل سنة، في ذكرى اليوم اللي اتعرفنا فيه، كنا بنشتري لبن أطفال وحفاضات واحتياجات أساسية، ونتبرع بيها لمراكز دعم الأسر.
ماكناش بنسمح بوجود كاميرات، ولا بننشر أسماء الناس اللي بنساعدهم.
يوسف كان دايمًا بيقول إن العمل الطيب لو محتاج جمهور عشان يبقى له قيمة، يبقى غالبًا إحنا بنسأل السؤال الغلط من البداية.
وبعد سنين طويلة، عدّينا بالعربية قدام السوبر ماركت اللي اتقابلنا فيه لأول مرة.
اللافتة كانت اتغيّرت، ومريم كبرت، وليلى ماكانتش أصلًا فاكرة الليلة دي.
يوسف هدّى سرعة العربية وقال
الكاشير كانت هناك بالضبط.
ضحكت وقلت له
إنت أصلًا مش شايف الكاشير من مكانك ده!
ردّ بثقة
أنا عارف كويس جدًا كانت فين.
بصيت له، وفجأة افتكرت الراجل الأنيق اللي ظهر ورايا وأنا بحاول أقرر هاشيل إيه من مشترياتي عشان أقدر أدفع الحساب.
كنت فاكرة وقتها إنه هو اللي أنقذنا في الليلة دي.
لكن مع مرور الوقت، فهمت إن الحكاية كانت أعقد من كده بكتير.
يوسف كان عنده فلوس، وشركة، وبيت كبير.
لكنه كان عايش كأنه شخص فقد الأمل في إن بكرة ممكن يحمل له أي حاجة تستاهل إنه يصحى عشانها.
أما أنا، فكان عندي بنتين، وفلوس قليلة، وخوف أكبر من قدرتي على الاحتمال.
لكن كان عندي كمان صوت في البيت.
ورسومات على التلاجة.
وببرونات.
وأحضان.
وأسباب كتير تخلّيني أقوم من السرير كل صباح.
هو ادّانا الاستقرار في الوقت اللي كنا محتاجينه فيه أكتر من أي حاجة.
وإحنا رجّعناله حاجة ماكانش يقدر يشتريها بفلوسه.
حياة كان نفسه يبقى جزء منها.
في الليلة دي، كنت فاكرة إن
الراجل الغني اللي واقف ورايا بيدفع تمن علبة لبن أطفال.
لكن الحقيقة إن محدش فينا كان يعرف وقتها إن الإيصال الصغير ده هيكون بداية إيه.
وبعد سنين، لما كنت بسمع ضحك بناتي في الجنينة، ويوسف بيتناقش معاهم بجدية شديدة عن مين اللي خبّى مفاتيحه، فهمت الإجابة أخيرًا.
هو ماكانش اشترى أكل وبس.
هو فتح باب.
وإحنا الأربعة، في النهاية، عدّينا منه سوا.
النهاية