لسنين طويلة استحملت إهانة وتريقة أهل جوزي المتوفي عشان كنت مديونة لهم بفلوس
عيب أوي تربيتك دي!".. صرخ شريف بتهكم وغرور. – "يبقوا اتصرفوا ككبار الأول بدل قلة الأصل دي!" رد يوسف بكل ثبات من غير ما يخاف.
الحاجة نعيمة ضربت بالعصاية الخشب بتاعتها على الأرض بقوة: – "إنت قليل الأدب زي أمك بالضبط! المرحوم ابني خالد لو كان عايش ودخل وشاف تربيتك كان مات بحسرته عليكوا!"
حسيت إن حاجة جوه صدري اتكسرت واتفتت تماماً ومبقاش فيها طاقة للرجاء. ومع ذلك، لما نهى هددتني بصوت عالي إنها عايزة الفلوس كلها خلال 8 أيام بالتمام والكمال وإلا هتبلغ البوليس، وطيت راسي تاني بضعف قدام ابنها: – "بأرجوكِ لأ.. سيبيني شوية وقت بس أجمع المبلغ ومخلفش معاكِ."
يوسف بص لي وكأنه سامع أسوأ جملة في حياته، وحسيت بنظرة عتاب في عيونه توجع أكتر من الإهانة: – "بلاش تذللي نفسك تاني يا ماما.. إحنا اديناهم أكتر ما يستاهلوا بكتير، وكفاية لحد هنا!"
نهى ضحكت بسخرية لاذعة وهي بتربع إيديها: – "وهتعرف تصرف عليها منين يا شهم أنت؟ هتدفع لها من مصاريف المدرسة ولا هتشحتوا في الشارع؟"
هنا حصلت اللحظة اللي قلبت الترابيزة كلها. يوسف طلع تليفونه المحمول بهدوء غريب من جيبه، وحطه وشاشته لفوق على ترابيزة الصالون في نص الك الكل، وبص في عيون شريف مباشرة من غير ما يرمش: – "قبل ما تتكلموا عن الشرف يا خال، ممكن تشرح لنا يوم الخميس اللي فات الساعة كام مكنتوش في مكتبك ولا في المحكمة زي ما قلت لمراتك، وكنت بتعمل إيه في المكان المشبوه ده؟!"
ابتسامة شريف المستفزة طارت في أقل من ثانية، ووشه اتقلب للون الأبيض الباهت. ولأول مرة من سنين طويلة، هو اللي نزل عينه في الأرض وهرب من نظرات الكل ومقدرش يبص لأمه ولا لمراته!
النهاية: الانقلاب الذي أخرس الجميع
الشاشة الصغيرة كانت منورة على مكتب شريف بصورة واضحة كالشمس.. صورة بتجمعه بشخص تاني في مكان مشبوه ومعروف بسمعته السيئة، وبجانبها أوراق رسمية وتسجيلات ومستندات بتثبت صفقات مالية غير مشروعة وتلاعب قانوني كان شريف بيحاول يخبيها ويثبتها بأسماء وهمية عشان يهرب من الضرائب والمساءلة، والأهم من كده.. إن تسجيل صوتي بدأ يشتغل بصوت شريف الواضح والصريح وهو بيتفق مع حد من تجار المشاكل على ابتزاز موكلين والتلاعب بقضايا حساسة تخص ناس كبار!
المطبخ والصالون كله اتحول لكتلة من الصمت الرهيب.. صمت تقيل ومرعب لدرجة إن صوت نبضات القلوب كان ممكن يتسمع بوضوح.
الحاجة نعيمة وقعت عصايتها من إيدها على الأرض بصوت رنان هز المكان، وبصت لابنها المحامي الكبير اللي كان "فخر العيلة" وهي مش مصدقة عينيها ولا ودونها: – "ايه ده يا شريف؟! إيه اللي في تليفون الواد ده؟! إنت بتعمل مصايب من ورايا؟!"
شريف وشّه اتقلب للون الأصفر والأبيض، وجري بسرعة محمومة عشان يخطف التليفون من قدام يوسف، بس يوسف كان أسرع بكتير، وسحب التليفون وحطه في جيبه وهو بيبصله نظرة كلها ثقة وثبات تليق برجال الرجال: – "متعبش نفسك يا خال.. النسخ مش في التليفون ده بس، دي معمولة شير واتساب وبلوتوث وإيميلات لكل كبار العيلة، ومبعوثة لجهات رقابية وقانونية لو حبت التأكد من شغل المحاماة الشريف بتاعك!"
نهى مرات شريف صرخت بجنون وهي بتلطم على وشها وتجري نحوه: – "انت بتساومنا يا قليل الأدب؟! إنت وأمك الشحاتة دي متفقين علي عشان تذلونا في بيتنا؟!"
قبل ما تخلص جملتها، سحر وقفت مكانها ببطء.. ولأول مرة من سنين طويلة، ضهرها مكنش مقوس، ورأسها كان مرفوع بكل كبرياء وعزة نفس مش انكسار. بصت لنهى، ولحاجة نعيمة المنهارة، ولشريف المرعوب، نظرة أخيرة خالية تماماً من أي خوف أو ضعف. – "الشحاتة مش عيب يا نهى.. العيب الحقيقي إن بني آدم ياكل حقوق غيره، ويبيع كرامة أهله وأخوه عشان الفلوس والمنظر الكداب. وبالنسبة للدين بتاعي عندكوا.."
طلعت سحر من شنطتها القديمة ظرف صغير فيه الفلوس كاملة، الفلوس اللي كانت محوشتها بطلوع الروح وعرق جبينها وشغلها الشاق في المغسلة، وقذفته ببرود وشموخ على الترابيزة قدامهم: – "دي آخر قرش كنت مديونة بيه لكم.. ومن اللحظة دي، الدين خلص، والذل خلص، ومبقاش لينا أي علاقة بيكوا نهائي ليوم الدين!"
الحاجة نعيمة حاولت تقرب وتمد إيدها تمسك في عباية سحر وهي بتعيط بانهيار وذل حقيقي: – "يا سحر يا بنتي.. ابوس إيدك اعدلي على كلام الواد، دي فضيحة لشريف وللعيلة كلها، ده أخوكي يا يوسف.. ابوس إيدك اتصرفوا!"
يوسف مسك إمّه بحنان بالغ، وحط إيده على كتفها وخدها في ضهره وهو بيتحرك بثبات ناحية باب الشقة: – "أبويا مات وهو شقيان بجهده وبعرق جبينه الشريف، ومسألش فينا حد.. وإحنا مش عايزين منكم لا فضايح ولا حتى سلام. عيشوا بفلوسكم وبكدبكم لوحدكم."
خرجت سحر ومعاها يوسف من الشقة، ولأول مرة تحس إن الهوا اللي داخله صدرها نقي وطازة ومبيحرقش قلبها. وراهم.. كانت أصوات الصراخ والاتهامات المتباينة بتولع جوه الشقة وتدمرهم، بس بالنسبة لهم.. كانت دي بداية الحكاية الحقيقية، حكاية كرامة مبنية بدموع العزة، مش بذل السنين.