لسنين طويلة استحملت إهانة وتريقة أهل جوزي المتوفي عشان كنت مديونة لهم بفلوس
لسنين طويلة استحملت إهانة وتريقة أهل جوزي المتوفي عشان كنت مديونة لهم بفلوس.. وفي يوم عيد ميلاد حماتي، ابني فتح ظرف وكلهم بلعوا لسانهم ومحدش تجرأ يضحك!
مرت أخويا «نهى» دقت حلة المحشي الكبيرة اللي فضلت ساهرة عليها يومين كاملين جوه الحوض.. عملت كده قدام ابني وقدام حماتي، في عز الاحتفال بعيد ميلاد الأخيرة. – "عشان تتعلمي إن الطبلية الحلوة ما تخبيش الفقر أبداً!".. قالتها نهى وهي بتنفض إيديها ببرود، وكأنها بترميني أنا مش حلة الأكل.
ابني يوسف، اللي عنده 17 سنة، قام بسرعة لدرجة إن الكرسي خبط في الحيطة بعنف. أنا مسكته من إيده جامد، لدرجة إن صوابعي وجعته. مش عشان نهى معاها حق، لا.. بس عشان كنا لسه مديونين لها بفلوس، وكان مرعوب إنها تطلبها مننا مرة واحدة وتفضحنا قدام الناس. – "اقعد يا حبيبي.. بلاش نكبر الموضوع." قلتها بصوت مكسور وواطي. – "أكبر من إيه يا ماما وأنا شايفهم بيهينوكِ كده كل يوم وكل ساعة؟! دي ناس متستحقش حتى نبص في وشهم!"
مطبخ الحاجة نعيمة كان ريحته قرفة وبهارات قوية، بعد ما قضيت الليل كله أطبخ فيه وأنا راجعة تعبانة بعد ما خلصت ورديتي الطويلة في المغسلة بتاعت عيادة الدكتور في وسط البلد. ضهري كان بيوجعني موت، ورجلي كانت ورمة من الوقفة، بس كنت مصرة إن الأكلة تطلع تفتح النفس ومفيهاش غلطة. بقالي 6 سنين بحاول أقنع نفسي إن تقدير أهل خالد، جوزي الله يرحمه، هو جزء من تقدير لذكراه ومن حبي ليه.
اسمي «سحر»، عندي 45 سنة، واتعلمت بدري قوي في الدنيا إني أعتذر لمجرد إني عايشة. وأنا طفلة صغيرة تربيت في ملجأ بعد ما أمي سابتني على باب دار الحضانة ووعدتني هترجع تاني.. ومراجعتش. ولما كبرت وعرفت خالد، كان أول بني آدم في الدنيا ميسألنيش إنتِ جاية منين ولا أهلك مين، قبل ما يفتح لي بيته وقلبه ويطبطب على روحي.
خالد كان ميكانيكي بسيط، اشتغل بدم قلبه وهو عيل صغير عشان يصرف على أمه نعيمة، ويصرف على تعليم أخوه الأصغر شريف لحد ما دخله كلية حقوق. ولما شريف تخرج وبقى محامٍ كبير، الحاجة نعيمة حولته لفخر البيت كله وسيد العيلة. وخالد فضل هو الابن "اللي بيشيل الشيلة" وبيحل أي مصيبة أو مشكلة تخص العيلة، ونادراً ما سمع كلمة شكراً أو تقدير.
وأنا كمان، من أول يوم دخلت فيه العيلة دي، متقبلوش وجودي. نعيمة كانت دايماً تقول إن ست ملهاش عيلة ولا شهادة ماينفعش تكون ست بيت شاطرة ولا تشرف العيلة. خالد كان بيدافع عني بكل قوته ويقف قدام الكل عشاني. اتجوزنا بجوازة بسيطة جداً وعشنا مبسوطين وراضيين، لحد ما حصلت حادثة على الطريق السريع خطفته مني في لحظة. يوسف ساعتها كان لسه طفل عنده 11 سنة، وحسيت إن الدنيا اتقفلت في وشي.
في الشهور الصعبة الأولى بعد وفاته، لقيت نفسي متورطة في قرض كنت أنا اللي مضيته على نفسي عشان نوسع ورشة خالد الصغيرة ونزود دخله. نهى، مرات شريف، دخلت في الوقت ده وعرضت بكل "شهامة مزيفة" تدفع لنا فلوس عشان نغطي الديون العاجلة وتبعد عننا البنوك. شكرتها وأنا بعيط من كتر الخنقة، وماكنتش أعرف أبداً إن المساعدة دي هتحول لحبل غسق حوالين رقبتي بقيت أتخنق بيه كل يوم.
الأول، بدأت بطلبات بسيطة: طلبت مني أعدي أجيب بنتها جنا من المدرسة عشان عندها مشوار. وبعدين طلبت أنظف بيتها قبل العزومات الكبيرة، أعمل مشاوير بعيدة، أخدم نعيمة، وأودي ملفات وطلبات لشريف في مكتبه. ولو فكرت في يوم أقول لا تعبانة، نهى كانت ترفع التليفون فوراً وبكل قسوة: – "عايزة أقبض الفلوس كلها يوم الجمعة الجاية؟ عشان لو مش ناوية تشتغلي، جهزي الفلوس بقى!"
كنت بقر على أسناني بسكوت ووجع. أشتغل في العيادة الصبح، وأجري على بيوتهم بالليل، أدفع قسط صغير، وأنفذ اللي طلبوه عشان ما أشيلش يوسف هم الدين. ولما إصابة قديمة في ضهري رجعت أتعبتني وقعدتني أسابيع من غير شغل، الدين زاد ورجع كبر تاني. نهى كانت بتعيرني في كل قعدة تقول إني "عطالة مقيمة"، وشريف كان بيبص الناحية التانية كأنه مش سامع، ونعيمة كانت بتملى دماغها بكرهي وتحملني حتى موت خالد نفسه!
نقطة التحول وتصاعد الصراع
النهاردة دي بالذات، دخلنا شقة الحاجة نعيمة ومعانا بوكي الورد البسيط، وحلة المحشي اللي دايماً بتطلبها، والرز، والتورتة اللي يوسف زوقها بنفسه بكريم شانتيه وشوكولاتة وهو حابب يفرح جدته.
نعيمة بصت للورد برفعة حاجب مليانة استخفاف وقالت بصوت حاد: – "برضو أكل بيتي وعوايد قديمة؟ شريف ابني حيحجز لنا في مطعم فخم جداً يوم الحد.. ده الشغل الصح مش كلام فارغ وبخل!" – "كنت حابة أعمل حاجة بتحبيها يا حاجة.. التورتة دي يوسف عاملها بايده." – "الحب لوحده مش كفاية يا سحر في الزمن ده.. عمرك ما كنتِ قد المسؤولية ولا هتبقي ست بيت تفرح."
في اللحظة دي، نهى ظهرت فجأة من غير استئذان، ومعاها شريف اللي كان لسه واصل. جنا مكنتش جاية. مرات أخويا مسكت بلوزة الشغل بتاعتي اللي كنت لسه طالعة بيها من المغسلة، عملت حركة استحقار بعينها وسألت بصوت عالي: "هو فيه خدامة دخلت الشقة ولا إيه؟ الريحة صعبة أوي!" وشوية كده دوقوا المحشي، وعملوا كأنهم بيرجعوا بمشهد مسرحي مقصود، وفي اللحظة دي نهى رمت الحلة كلها في الحوض بصوت رنان: – "إنتِ مفكرة نفسك هتقدمي الزبالة دي لحماتي ولنا؟ قومي نظفي الهم ده."
وطيت ألملم غطا الحلة من على الأرض، وخدودي كانت بتولع نار من الكسرة والقهر. يوسف مد إيده بسرعة وشال من إيدي الفوطة بحنان وألم: – "ماما سهرت طول الليل عشانكم، ولا مرة في حياتكم سألتوها عاملة إيه ولا ضهرها وجعها ليه!" – "ماتدخلش في الكلام الكبير يا ولد أنت!