دخلت مستشفى النساء والتوليد مع خطيبتي، وفجأة لقيت مراتي
جلستُ أقرأ التقرير مرات ومرات، وكل سطر كان يوضح لي الصورة كاملة: سامح كان يستخدمنا كغطاء لجرمته الكبرى. حين اكتشفتُ خطئه في الحسابات قبل اختفائي، قرر التخلص مني. وحين اكتشف فارس اختفائي، استغل حزنه لينفرد بإدارة الشركة ويسرقها ببطء وبشكل منهجي، متوقعاً أن يغادر البلاد في أي لحظة قبل أن يُكتشف أمره. فارس أمسك برأسه بيديه، وبدا عليه الهوان: – أخي.. أخي الوحيد.. الذي ربيته وأقمتُه وأعطيته كل صلاحياتي.. طعنني في ظهري وأراد التخلص منكِ لأنكِ كنتِ الشاهد الوحيد على أخطائه. لقد كنتُ أعمى يا مريم.. أعمى بحب الأخوة لدرجة أنني لم أرَ الأفعى التي كانت نائمة في صدري.
مددتُ يدي ووضعتها على كتفيه بهدوء: – الذنب ليس ذنبك وحدك. أنا أيضاً صدقتُ العدو لأنه جاءني بوجه أخيك. الخيانة لا تأتي إلا من الذين نثق بهم.. وإلا لما كانت خيانة.
الجزء الرابع: حين اختفى سامح وظهرت الحقيقة المرعبة
اتصل فارس بمنزل سامح فوراً.. لا رد. اتصل بمكتبه في الشركة.. سكرتيرته تقول إنه لم يأتِ اليوم ولم يتصل ليخبرها بأسباب غيابه. ذهب فارس إلى شقته.. وجدها فارغة تماماً، حقائبه مفقودة، وأدراج مكتبه مفتوحة ومهملة. لكنه ترك شيئاً.. رسالة قصيرة مطبوعة على ورقة من مذكراته، مثبتة على طاولة السرير بمغناطيس صغير:
"سامح.. إذا قرأتَ هذه الرسالة، فهذا يعني أن اللعبة انتهت. لم أكرهك يوماً. لكنني كرهتُ حياتي في ظل ظلك الكبير. كل شيء كنتَ تملكه كان يجب أن يكون لي أنا أيضاً. لماذا أنتَ الأب والأخ والزوج والمالك وأنا مجرد الظل الذي يمشي وراءك؟ لم أرد قتل مريم.. أردتُ فقط أن تختفي من حياتنا فتعود لحياتك الطبيعية وتتركني وشأني مع إرث أبي. آسف لأن الأمور خرجت عن السيطرة.. وداعاً يا أخي."
بكتُ وأنا أقرأ الكلمات. لم يكن الدافع طمعاً فقط.. بل حقداً دفيناً تغذاه الغيرة سنوات طويلة. أخ كان يبدو مطيعاً ومحباً، لكنه في أعماق نفسه كان يحرق من الداخل كلما رأى نجاح أخيه. فارس وضع الرسالة على الطاولة ببطء، وقال بصوت خافت: – سأبلغ الشرطة. سأطلب ملاحقته دولياً. سأسترد كل قرش سرقه. لكنني لن أطلب عقوبة السجن مدى الحياة.. سأطلب محاكمة عادلة، لأنني أعرف أن هناك مرضاً في نفسه أعمق مما نرى. نورهان وقفت بجانبه، وقالت بكل احترام: – أنتَ رجل شريف يا فارس.. وهذا هو سبب أنهم دائماً يظلمونك. لكن الآن.. ماذا عنا؟ وماذا عن مريم والطفلة التي لم تُولد بعد؟
نظر فارس إليّ، ثم إليها، وتنهد بعمق: – أنتِ حرة يا نورهان. إذا أردتِ الرحيل الآن، فلا ألومكِ أبداً. لقد دخلتِ حياتي في وقت ظننتُ أنني تعافيتُ فيه من جرح مريم.. والآن الجرح قد فُتح من جديد، وهناك طفلة قادمة إلى الحياة تحتاج لوالدتها وأبيها معاً. لا أطلب منكِ البقاء.. أطلب فقط منكِ السماح لي بالاعتذار منكِ بكل صدق. نورهان ابتسمت بحزن، ومدت يدها لمصافحتي: – أتمنى لكِ ولطفلتكِ كل السعادة يا مريم. وأتمنى لك يا فارس أن تجد طريقك بوضوح. سأبقى صديقتكما.. لكنني لستُ الشخص الذي يمكنه أن يأخذ مكاناً لم يُفرغ منه بعد. مع السلامة.
الجزء الخامس: العودة التي لم تكن كما توقعتها
بعد أسبوعين، عدنا إلى القاهرة. لم أعد إلى بيتنا القديم فوراً.. قررنا أن نعيش فترة نقاهة في شقة صغيرة بجانب البحر، نعيد فيها بناء جسر الثقة الذي هدمته الأكاذيب. فارس لم يطلب مني أن أنسى أو أسامح بسرعة.. فقط طلب مني أن أعطيه فرصة ليكون أباً لابنتي، وصديقاً لي قبل أي شيء آخر. وذات مساء، وبينما كنا نجلس على الشرفة نشاهد غروب الشمس، قال لي بصوت هادئ: – كنتُ أظن أن أصعب شيء في الحياة هو أن تموت من تحبهم. لكنني اكتشفتُ أن الأصعب من ذلك بكثير.. أن يعود من تحبهم وتكتشف أنكَ كنتَ السبب في معاناتهم، ولو بغير قصد. لقد دفعتُ ثمن سذاجتي غالياً يا مريم.. أتمنى أن أكون أهلاً لفرصة ثانية تمنحينها لي.
مسحتُ دمعة سقطت من عيني، وقلتُ له بصدق: – الفرصة ليست هبة تُعطى بلا شروط يا فارس. سأبقى بجانبكِ لأنك أب لطفلتي ولأنني أعرف أنكَ لم تكن تعرف الحقيقة. لكن بيننا حاجز زمن طويل.. ولن يعود كل شيء كما كان بين يوم وليلة. الصدق هو وحده الذي سيعيد بناء ما هدموه.
وفي الشهر التاسع، وضعتُ طفلة جميلة تشبه ملامحنا معاً، واختارنا لها اسم حنان.. لأننا كنا في أمس الحاجة إليه، ولأننا أردنا أن تبدأ حياتها بصفحة بيضاء خالية من الحقد والغيرة والخيانة.
الجزء السادس: الدرس الأكبر الذي تعلمناه معاً
مرت السنوات، واسترد فارس أمواله وشركته، لكنه غير الكثير من سياسات العمل: أصبح يفصل بين المال والإدارة، وعين أمناء مستقلين على الحسابات، وفتح مشاريع خيرية تحمل اسم "دار الأمل" التي أنقذتني وأوصدت لي الباب الآمن. سامح حُكم عليه بالسجن خمس سنوات بتهمة الاختلاس والتزوير، وخففت العقوبة لاعترافه الكامل وعدم وجود سجل إجرامي سابق. فارس كان يزوره كل ثلاثة أشهر، لا ليغفر له، بل ليخبره أنه ما زال أخاً له، وأنه سينتظر خروجه ليبدأا معاً صفحة جديدة إذا أراد ذلك.
وذات يوم، وقفتُ مع فارس وحنان التي أصبحت في الخامسة من عمرها، ونحن نطل على البحر، وسألتُ نفسي: هل انتهت القصة بسعادة تامة؟ ليس تماماً.. لأن الجرح يبقى أثره مدى الحياة، لكننا تعلمنا معاً دروساً لن ننساها أبداً:
- الثقة كالمرآة: حين تنكسر، يمكنكِ إصلاحها، لكنكِ سترين دائماً التشققات في انعكاسك. وهذا ليس عيباً.. هذا تذكير بأن تكوني حذرة في من تمنحينه قلبكِ.
- الخيانة: لا تأتي دائماً من الأعداء.. تأتي غالباً من أولئك الذين تقاسمتهم لقمتكِ وسريركِ وأسراركِ. فلا تفتحي أبواب قلبكِ جميعها دفعة واحدة.. احتفظي بغرفة مغلقة لنفسكِ، لا يدخلها أحد إلا من استحق الأمانة بالفعل.
- الحب الحقيقي: ليس أن يكون هناك شخص لا يخطئ أبداً.. بل أن تجدوا الشجاعة لتقولوا "لقد أخطأتُ وأنا أسامحكِ" في الوقت المناسب، قبل أن يفوت الأوان.
لأن العمر يمضي، والذكريات هي الوحيدة التي تبقى معنا في النهاية.. فاجعلوها جميلة بقدر ما تستطيعون.