حماتي اعلنت حكايات بسمه
— سارة، اسمعيني، الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة…
لكنها صرخت فيه:
— يعني إنت كنت عارف؟! كنت عارف وسايبهم يذلوها ويقولوا إنها هي السبب؟!
رديت وأنا بحاول أمنع دموعي:
— أنا استحملت ست سنين، مش علشان مش عارفة الحقيقة، لكن علشان كنت مستنية جوزي يبقى راجل ويقولها بنفسه.
حماتي قربت مني وهمست:
— يا بنتي، إنتِ كده هتخربي بيته!
ضحكت بمرارة وقلت:
— بيته؟ هو أنا مش مراته؟ ولا بيته كان ملككم لوحدكم من الأول؟
أحمد فضل ساكت، وسارة خلعت الدبلة اللي كان جايبهالها ورمتها قدامه، وقالت إنها مش هتتجوز راجل بيبني فرحته على كسر واحدة تانية.
لميت حاجتي ومشيت، وأنا لأول مرة من سنين حاسة إني مش مطالبة أبرر وجودي لحد.
لكن قبل ما أوصل لباب الشقة، سمعت صوت أحمد ورايا:
— مريم، استني! إنتِ فاكرة إن الورقة دي هتخلصي بيها مني؟ ده لسه فيه حاجة إنتِ ما تعرفيهاش!
وقفت مكاني، ولفيتله ببطء.
ابتسم ابتسامة خبيثة، وقال:
— التحليل ده مش آخر حاجة… إنتِ لسه ما عرفتيش مين اللي كان بيغيّر نتايج التحاليل من أول يوم.
في اللحظة دي، موبايلي رن برسالة من رقم غريب، مكتوب فيها:
«لو عايزة تعرفي مين السبب الحقيقي في ضياع ست سنين من عمرك، ما تمشيش قبل ما تسألي حماتك عن الملف الأزرق اللي مخبياه في دولاب أوضة النوم!»
السكوت نزل على الصالة زي الصاعقة! حماتي الحاجة نوال اتجمدت مكانها، ولون وشها اتغير تماماً أول ما سمعت جملة "الملف الأزرق".
بصيت لأحمد ببرود وقسوة، ورجعت خطوات لورا بثبات وقافلة على شنطتي:
— ملف أزرق إيه يا أحمد؟ وعن إيه بتتكلم؟
أحمد ابتسم ابتسامة مسمومة وبص لأمه، اللي كانت بتترعش وإيدها مش شايلاها. حماتي جريت مسكت في دراع أحمد وهي بتترجاه بصوت مخنوق ودموع رعب:
— يا أحمد يا ابني لأ! أرجوك يا ابني ما تخربش بيتك بأيدك! أستر على أمك!
عمه وسارة بنت عمه وكل المعازيم وقفوا مصدومين مش فاهمين في إيه. سارة صرخت في أحمد:
— أنت وأمك مخبيين إيه تاني؟! انطق يا أحمد بدل ما أطلب الشرطة!
أحمد زق إيد أمه بعنف، وقال وهو بيصرخ بصوت هز جدران بيت العيلة:
— لأ يا أمي! كفاية لحد كده! أنا مش هشيل الشيلة لوحدي، ومش هطلع أنا المجرِم الوحيد قدام الناس وأنتِ تطلعي الست الشريفة اللي عايزة مصلحة ابنها!
التفت أحمد ليا ودموعه نازلة بغزارة، بس عينيه كانت مليانة غل وانتقام:
— الملف الأزرق ده يا مريم.. فيه نتايج التحاليل والأشعة اللي أنتِ عملتيها في أول سنة جواز في المستشفى الخاص بتاع الدكتور صديق أمي! أمي راحت للدكتور وادتله رشوة كبيرة عشان يزوّر التقرير ويكتب إن عندك انسداد ورحم مائل ومستحيل تخلفي إلا بعمليات معقدة!
أنا حسيت إن الدنيا بتلف بيا، والدم اتسحب من جسمي كله!
ست سنين بكاء في الليل! ست سنين أدوية وهرمونات وحقن ودكاترة وهدّ في صحتي ونفسيتي! ست سنين وأنا حاسة إني ناقصة ومكسورة وبترجى أمه تسامحني وتعطف عليا.. وكل ده كان ملعوب وتزوير من حماتي عشان تدمرني؟!
صرخت بصوت طالع من قاع قلبي:
— ليه؟! ليه تعملي فيا كده يا ست أنتِ؟! أنا عملتلك إيه؟! ده أنا كنت ببدّيكي على نفسي وأخدمك برموش عيني!
أحمد كمل بصوت واطي ومكسور:
— عشان أنتِ من عيلة بسيطة يا مريم.. وأمي من أول يوم كانت عايزاني أتجوز سارة بنت عمي عشان الورث والأراضي اللي باسم عيلتها! ولما أنتِ طلعتِ سليمة كلياً، خافت تخلفي مني وأربط نفسي بيكي للأبد، فتفقت مع الدكتور يكتب إنك عاقر! ولما أنا عملت التحاليل من سنتين واكتشفت إن عندي عقم بسبب التهاب قديم.. أمي اتفقت معايا نخبي التحليل بتاعي، ونفضل نرمي التهمة عليكي عشان نضغط عليكي تطلبي الطلاق بنفسك وتتنازلي عن مؤخرك وحقوقك!
سارة بنت عمه لطمت على وشها بصرخة هزت الشقة:
— يا نهار أسود ومنيّل! أنتوا شياطين؟! أنتوا مش بني آدمين! أنتوا جبلة من الشر والغل!
حماتي سقطت على الأرض بتعيط بانهيار وتترجى:
— سامحوني! والله كنت عايزة أضمن مستقبل ابني وأجيبله القرشين بتوع ورث عمكم! والله كنت خايفة عليه!
مسكت موبايلي بإيد بتترعش، وطلبت النيابة العامة وشرطة المباحث فوراً وأنا واثقة في كل خطوة.
قلت بصوت حاد كالصلب، صوت أبرد من الثلج وأقوى من الموت:
— التزوير، والتلاعب بالتقارير الطبية، والإضرار العمدي بصحتي ونفسيتي.. البلاغ فيهم هينزل في النيابة العامة ضدك وضد الدكتور وضد ابنك الصبح! والشيكات والمؤخر وحقوقي عن الست سنين دول هتتدفع بالمليم من لحمكم ومن أراضيكم!
أحمد نزل على ركبتيه قدامي يترجى ويصرخ:
— مريم! أرجوكي يا مريم ما توديش أمي السجن! أنا مستعد أعمل أي حاجة، أطلقك بالثلاثة وأكتبلك كل اللي حيلتي!
زقيت دراعه برجلي بصلابة وقسوة، وبصيت له باحتقار واشمئزاز:
— ورقت طلاقي توصلني بيت أهلي النهاردة قبل بكرة.. والباب اللي قفلتوه في وشي وفي صحتي ست سنين، أنا بقفله في وشكم للنهاردة وللأبد!
خرجت من بيت العيلة مرفوعة الرأس، والشرطة والنيابة تحركوا في البلاغ الرسمي. تم ضبط الدكتور المزور وحبسه، وتأكدت النيابة من الجريمة، وصدر حكم قضائي ضد حماتي وأحمد بالتزوير والإضرار العمدي، وأخدت كافة حقوقي ومؤخري بالكامل مع تعويض مالي ضخم.
سارة بنت عمه قطعت علاقتها بيهم تماماً، والعيلة كلها تبرأت من حماتي وأحمد بعد ما الفضيحة اتنشرت في البلد كلها.
أما أنا.. فعشت حرة، كرامتي وصحتي ورأسي مرفوعين للسما، وعرفت إن الحق دايماً بيبان، وإن ربنا عمره ما بيسيب المظلوم، والعوض دايماً بيجي بأعظم كرامة ونصر من عنده.
تمت.