عدلت فستان ام المليونير حكايات بسمه
سحر ردت ببرود: — مش من حقك تقرري إيه اللي يترمي وإيه اللي يفضل!
آدم رفع إيده يوقفها عن الكلام، وفضل يفحص الخياطة بنفسه. وبعدين بص لنورهان وسألها: — إنتِ اللي عملتي التصليح ده بإيدك؟
هزت راسها بالإيجاب.
سحر بدأت تبرر موقفها وتقول إنها هتراجع الكاميرات، لكن آدم قاطعها وطلب منها الأول تعرف مين اللي أصدر أمر برمي قطعة من مقتنيات والدته.
بعدها رجع بص لنورهان وقال بحسم: — بكرة الساعة عشرة الصبح، عايزك في مكتبي.
نورهان قبضت على علبة الخياطة، وحاولت تمنع صوتها من الارتعاش وهي بتسأله: — هو أنا كده اترفدت يا فندم؟
آدم مردش فورًا. فضل باصص للفستان، وكأن الخياطة اللي عملتها البنت دي فتحت قدامه باب لذكرى كان فاكر إنه اتقفل للأبد. وبعد لحظات، رفع عينيه ليها وقال: — بكرة هتعرفي بنفسك… لأن الموضوع أكبر بكتير من مجرد فستان اتصلح!
المكان كان فيه هدوء تام بعد ما سحر سكتت وبصت لآدم بذهول، وبعدين بصت لنورهان بنظرة غيرة وغل مكتوم. آدم أخد الفستان بالراحة، طواه بين إيديه بحرص شديد كأنه شايل أمانة غالية، ومشي من الغرفة بخطوات ثابتة من غير ما يضيف كلمة واحدة.
طول الليل، نورهان ما عرفتش تنام. فضلت تقلب في سريرها وهي بتفكر في المعهد، وفي مصاريف أختها منة، والإيجار المتأخر، والنظرة اللي شفتها في عين آدم لما لمس القماش.
تاني يوم، الساعة عشرة الصبح بالتمام. نورهان كانت واقفة قدام باب المكتب الرئيسي في الدور الأخير، لابسة أكسسوارها البسيط وهدومها المترتبة، وإيدها بتترعش وهي بتخبط على الباب.
صوت آدم جه من جوة: — ادخل.
فتحت الباب بالراحة ودخلت. المكتب كان واسع جداً، واجهته كلها إزاز مطلة على النيل، وفيه مانيكانات لابسين تصاميم فاخرة، وفي النص كان الفستان البنفسجي معلق بحرص وشكله منور المكان.
آدم كان قاعد ورا مكتبه، لابس قميص أسود مفتوح الياقة، ومحطوط قدامه ملف أسود تقيل. رفع عينه وبص لنورهان، وأشار للكرسي اللي قدامه: — اقعدي يا نورهان.
قعدت نورهان على طرف الكرسي، وبصت للأرض: — أستاذ آدم.. أنا بجد آسفة لو كنت اتعديت حدودي، والله أنا ما قصدتش أتصرف في حاجة مش بتاعتي، أنا بس...
آدم رفع إيده بصلابة هادية، وقال مقاطعاً كلامها: — سحر اتطردت الصبح.
نورهان رفعت رأسها بصدمة: — إيه؟!
آدم اتسند على الكرسي وكمل بنبرة جادة: — التحريات ومراجعة الكاميرات أثبتت إن سحر هي اللي رمت الفستان بنفسها في كيس الزبالة بالاتفاق مع مديرة المعرض المنافسة، عشان يضيعوا المقتنيات الأصلية الخاصة بأمي قبل دار العرض السنوية الأسبوع الجاي. الفستان ده مكانش مجرد فستان يا نورهان.. ده كان القطعة المفتاحية اللي أمي سابتلي الباترون بتاعها عشان أكمل مجموعتها الأخيرة قبل ما تتوفى، وسحر كانت بتدمرها بعمد.
بلعت نورهان ريقها، والذهول شل لسانها!
كمل آدم وهو بيمد الملف الأسود ناحيتها: — أنتِ مش بس أنقذتي قطعة قماش.. أنتِ أنقذتي تاريخ الدار، وأنقذتي الذكرى الوحيدة الحية لأمي. أنا راجعت الخياطة بتاعتك تاني الصبح تحت الميكروسكوب.. الغرزة اللي عملتيها هي نفسها غرزة السلسلة المغلقة اللي أمي كانت بتعلمها لخبراء باريس، وما حدش في مصر هنا بيعرف يعملها بالدقة دي!
نورهان دموعها اتجمعت في عينيها من الارتياح والدهشة: — أمي الله يرحمها هي اللي علمهالي.. كانت بتقولي الخياطة مش مجرد إبرة وخيط، الخياطة روح بتتنفس جوة القماش.
آدم ابتسم ابتسامة حقيقية لأول مرة، ابتسامة غيّرت ملامحه الصارمة كلياً، وفتح الملف: — وعشان كده.. العقد ده قدامك. من النهاردا أنتِ مش عاملة نظافة في الفندق. أنتِ المصممة والمرممة الرئيسية لجميع أزياء ومقتنيات دار المنشاوي، بمرتب شهري يغطي مصاريف معهد أختك، وإيجار بيتك، ويضمنلك حياة كريمة طول العمر.
نورهان إيدها راحت على بقها ومش مصدقة اللي بتسمعه! الدموع نزلت مطر على خدودها وهي بتبص للأوراق والعقد الرسمي اللي قدامها. أخدت القلم، ووقعت باسمها.. نورهان عبد الرحيم.
آدم قام وقف، ومد إيده وسالمها بثبات ووقار: — أهلاً بيكي في دار المنشاوي للأزياء يا نورهان.. ومصممين بجد زيك، هما اللي بيخلوا الحلم يعيش.
بعد شهر واحد.. الحفل السنوي الفخم لدار المنشاوي كان منور القاهرة كلها. الفستان البنفسجي كان معروض في نص القاعة تحت أضواء الكاميرات والصحافة، ونورهان واقفة بفستان أنيق من تصميمها الخاص بجانب آدم المنشاوي، وأختها منة جنبها بتضحك ومبسوطة بعد ما اتسددت مصاريف المعهد بالكامل.
وعرفت نورهان ساعتها إن الأمانة والإتقان اللي بنعملهم في الظلمة وفي أبسط الأشياء، ربنا بيطلعهم للنور في الوقت المناسب عشان يفتحوا باب العوض الكبير اللي يغير الحياة للأبد.
تمت.