جوزي واخوه حكايات زهرة حصري

لمحة نيوز

بدأت أخطط لشيطنة؛ فكرت إزاي أخلي الشقة دي تكرههم في عيشتهم. في الأول قلت أعمل مشكلة في السباكة، بس دي سهلة وتتصلح. بعدين فكرت في الكهرباء، بس برضه بيتصلح. لحد ما الشيطان قالي على الفكرة الجهنمية اللي ضيعتني: اعملي تسريب بسيط في وصلة الغاز الطبيعي جوة المطبخ.. مش لدرجة كارثة، لأ! بس ريحة جامدة وتخويف، أو ماس كهربائي صغير يخليهم يخافوا ويقولوا الشقة دي فيها عيب أو مسكونة أو مش مأمونة، فيقرروا يسيبوها ويرجعوا لبيت العيلة، ووقتها الجو يخلو ليا وأنا اللي أطالب بيها!

يا نهار أبيض على الجهل والعمى اللي بيصيب البني آدم لما الغل بيعمي عيونه! ماكنتش فاهمة أنا بلعب بالنار إزاي، ولا كنت حاسبة عواقب اللعب في أرواح الناس وأمانهم.

تاني يوم، كان الصبح بدري، وكل الكبار مشغولين في السوق وشغل البيت، وحماتي نايمة، ومحمود أخو جوزي ومراته كانوا بينقلوا بعض العفش الخفيف والباسكتات والشنط على الشقة الجديدة اللي على بعد خطوات من بيت العيلة. استغليت الفرصة، وطلعت أجري على الشقة الجديدة وأنا قلبي بيدق جامد كأنه هيطلع من صدري من الرعب. فتحت الباب بمفتاح احتياطي كان مع جوزي وكنت أخدته من غير ما يحس عشان وقت الحاجة. دخلت الشقة، ريحة الدهان الجديد والستاير المعلقة كانت مالية المكان، الشقة كانت تفتح النفس بجد، وده زود غلي وحقدي.

دخلت المطبخ بخطوات مرتعشة، وبدأت بحماس أعمى أفك الصامولة بتاعة محبس الغاز حاجة بسيطة خالص، بحيث يبان كأن فيه تسريب بطيء ومخفي، ريحته تطلع وتملى المكان من غير ما حد يحس في الأول، لحد ما يعمل هلع يمنعهم من النوم فيها الليلة دي، وكنت ناوية أبلغ جوزي أو أعمل حركة كأنها مصادفة. بس وأنا بفك الصامولة بعنف وبطريقة غلط، وأنا مرعوبة وحاطة إيدي على قلبي لتجيلي مفاجأة، السن اتفلت مني فجأة بصوت عالي! ومحبس الغاز اتفتح على آخره.. ضغط الغاز الرهيب اندفع في وشي، وسد نفسي من الريحة النفاذة اللي انتشرت في ثواني معدودة ومالت المطبخ والصالة كلها.

اتخضيت رعب، حاجة زي الكهربا سرت في جسمي، حاجة بتقول لي إنتي عملتي مصيبة! حاولت أعدل الصامولة وأقفلها تاني، بس من كتر الخوف والرجفة إيدي مبقتش سامعاني، والسن باظ تماماً في إيدي وبقى الغاز يندفع بصوت فحيح مرعب كأنه صوت تعبان بينفث سموم. مرعوبة، بصيت حواليا وعقلي طار، جريت وقفلت باب المطبخ بسرعة، وخرجت أجري من الشقة وأنا بترعش زي الست الحامل اللي جالها حمى، قفلت الباب ورايا ونزلت جري على بيتنا وأنا حاسة إن روحي بتتسحب مني.

بالليل، كانت العيلة كلها بتحتفل. محمود ومراته وعياله اتعشوا أول ليلة في الشقة الجديدة، وكانوا فرحانين وسهرانين بيفرشوا بقية الحاجة. أنا كنت قاعدة في أوضتي جوة بيت العيلة، عيوني مثبتة على باب الشقة التانية من الشباك، وقلبي مابينبضش من الخوف. كنت سامعة ضحكات الأولاد وصوت سلفتي وهية بتضحك مع جوزها. جوزي دخل عليا الأوضة وقعد على السرير وهو بيبتسم: "شايفة يا ستي؟ أخويا ومراته فرحانين إزاي؟ عقبالنا لما ربنا يرزقنا بالشقة اللي تتمناها." بصيت له بريق ناشف، ومش عارفة أنطق بكلمة واحدة. صوت فحيح الغاز كان بيرن في وداني، وريحة الغاز اللي تخيلت إني شماها كانت ملياني.

عدت ساعات الليل، وبدأت الناس تنام. الساعة كانت حوالي تلاتة الفجر. كنت قاعدة صاحية على السرير، عيوني مبلمة في السقف، مستنية أي خبر، مستنية إيه اللي هيحصل... وفجأة... دوي انفجار هائل مرعب هز المنطقة كلها! البيت اتهز تحت رجلينا كأن زلزال ضرب المكان. شبابيك بيت العيلة كلها اتكسرت وتناثرت في الأرض. صوت صراخ وعياط طلع من الشارع ومن الشقة الجديدة.. شقة محمود!

طلعت أجري زي المجنونة برة الأوضة، ورايا جوزي وحماتي وحمايا وكل اللي في البيت، الكل كان بيصرخ ويجري على برة. لما وصلنا الشقة الجديدة، كان المنظر مرعب ويفطر القلوب.. النار كانت طالعة من الشباك وألسنة اللهب الحمراء بتاكل في كل حاجة. ريحة الغاز المكتوم اللي اتفرغ طول الليل مع أي شرارة كهربا بسيطة سواء من تلاجة اشتغلت أو لمبة اتفتحت عملت الكارثة دي. محمود طلع من وسط النار بجلابية محروقة، ووشه أسود، وكان بيصرخ بجنون: "ولادي.. ولادي جوة! مراتي وولادي جوة يا إيهاب الحقني!"

إيهاب أخوه والرجالة اللي اتجمعوا من الشارع هجموا على النار وسط الدخان الكثيف عشان ينقذوا اللي يقدروا ينقذوه. قدروا يطلعوا سلفتي وهية فاقدة الوعي وحروقها مالية جسمها، وقدروا يطلعوا اتنين من الولاد مصابين بإصابات بالغة وحروق خطيرة.. لكن الابن الأصغر.. الطفل البريء اللي مالهوش ذنب في أي حاجة، اللي كان نايم في أوضته.. النار مسكت فيه ومخرجش غير وهو جثة متفحمة!

الناس كانت بتلطم، والإسعاف جت، والشرطة مالت المكان، والتحقيقات بدأت فوراً. وأنا كنت واقفة في زاوية الشارع، حاطة إيدي على بوقي، عيوني مزغللة، ومش قادرة أصدق إن ده كله بسبب.. بسبب مين؟ بسبب غلي وحقدي وطمعي!

لما المباحث دخلت تفتيش وفحصت مكان الانفجار، قالوا التقرير الأولي: "فيه عبث مقصود في محبس الغاز، والمحبس مفكوك بطريقة تخليه يسرب طول الليل!". لما سمعت الكلمة دي، حسيت إن رجلي مابقتش شيلاني، حسيت إن الدنيا دارت بيا وانشقت الأرض وبلعتني.

جوزي جه ناحيتي بعد ما ساب المستشفى، وكان عيونه حمرا، ملامحه منهارة، وبيبص لي بنظرة أول مرة أشوفها في حياته.. نظرة شك مرعبة، وبعدين سألني بصوت مكسور ومرجف: "إنتي كنتي هناك.. صح؟ إنتي اللي عملتيها؟"

مقدرتش أنكر. الدموع اللي نزلت مني ماكنتش دموع عادية، كانت دموع دم.. من كتر القهر والندم والذنب اللي هيقعد على قلبي لحد آخر يوم في عمري. اعترفت له بكل حاجة، اعترفت إني كنت عايزة أخوفهم عشان يسيبوا الشقة ليا! لما سمع اعترافي، ماادانيش قلم، ولا زعق فيا.. بس بص لي نظرة خلتني أتمنى لو كنت أنا اللي مت في الحريق بدل الطفل الغلبان وبدل ما أشوف نظرة الكره والانكسار في عيون جوزي.

سابني، ودخلت في سجن كبير، سجن ضميري اللي مش هيرحمني، وسجن الدنيا اللي عاقبتني أشد عقاب. بقيت عايشة بلا روح، وكل ما أغمض عيني، أشوف ضحكة الطفل البريء ده، وأسمع صوت انفجار الغاز اللي دمر عيلة بحالها.. عشان حتة شقة كنت مفكراها هي الدنيا والآخرة!

تم نسخ الرابط