حكاية مصطفي وعايدة لملك ابراهيم
قالتله وهي بتحاول تداري رعشة صوتها: “العيال رزق من ربنا يا أستاذ مصطفى، بيجي وقت ما ربنا يريد. وأنا راضية برزقي.”
مصطفى قام وقف، وقال قبل ما يمشي: “كتب الكتاب الخميس الجاي، بعد صلاة العشا في جامع العزايزة. لو غيرتي رأيك لحد قبلها بدقيقة، ابعتيلي أي عيل صغير على المحل.” عايدة هزت راسها، وهي ماسكة دموعها بالعافية.
يوم الخميس، جامع العزايزة كان مليان على آخره. تجار الدهب كلهم، وكبرات البلد، جايين يتفرجوا. الحاجة نفيسة كانت لابسة دهب يوزن كيلو، وقاعدة في الصف الأول للستات، بتبص لطليقة ابنها اللي قاعدة في آخر الجامع كأنها بتقولها “شوفتي؟”
المأذون قال: “على سنة الله ورسوله.”
مصطفى قال: “قبلت.”
وعايدة، بصوت مسموع المرة دي، قالت: “قبلت.”
وبكده، عايدة مرزوق بقت مرات مصطفى عز العرب، قدام البلد كلها.
الجزء الثاني (الأخير)
الكاتبة ملك إبراهيم
الشقة كانت فوق محل الدهب على طول. شقة عرسان متوضبة على سنجة عشرة، الحاجة نفيسة فرشاها كلها جديد، من النجف الكريستال للستاير القطيفة التقيلة. ريحة البخور كانت مالية الصالة، وطبلة الزفة لسه صوتها بيرن في ودانهم تحت في الشارع. مصطفى فتح باب الشقة بمفتاحه، ودخل الأول، وبعده عايدة بفستانها الأبيض البسيط. قفل الباب وراه بالمفتاح، ووقف في نص الصالة.
عايدة كانت واقفة جنب الباب، ماسكة طرف فستانها، وبتبص في الأرض. مصطفى فضل واقف مكانه دقيقة كاملة ساكت، وبعدين اتكلم بصوت واطي ومبحوح: “مبروك يا عايدة.” قالت وهي لسه باصة في الأرض: “الله يبارك فيك.”
قالها: “ادخلي غيري هدومك، خدي راحتك. الحمام أول أوضة على اليمين.” عايدة هزت راسها ودخلت أوضة النوم. مصطفى راح قعد على الكنبة في الصالة، وفتح التليفزيون، وقعد ماسك راسه بإيديه. بعد نص ساعة، عايدة خرجت لابسة عباية بيتي زرقا بسيطة، وشعرها ملموم، ووشها مغسول من المكياج. قعدت على طرف الكنبة اللي قصاده.
مصطفى بصّلها وقال بنبرة حادة بيحاول يبقى ناشف فيها: “بصي يا بنت الناس، الكلام اللي قلتهولك في بيت أبوكي، هعيده تاني هنا... أنا مش هقرب منك. انتي لسه صغيرة، وجميلة، ومن حقك تبقي أم وتشيلي عيل على إيدك. أنا مش هظلمك معايا وأربطك بواحد عارف إنه مش هيجيب عيال. هنقعد كام شهر كده، قدام الناس متجوزين، وبعدها هطلقك بالمعروف، وتاخدي كل حقوقك وزيادة.”
عايدة هزت راسها بالموافقة، وابتسمت ابتسامة صغيرة هادية وقالت: “حاضر يا مصطفى. اللي تشوفه.” ثم قامت ودخلت المطبخ، وسخنت حلة محشي كانت حماتها باعتاها، وقطعت طبق جبنة وطماطم، وعملت شاي. حطت الصينية قدامه وقالت: “اتفضل، كل، انت من الصبح ما أكلتش حاجة في الفرح من التوتر.”
قعدوا ياكلوا سوا في صمت، وهو لأول مرة ياخد باله من هدوئها وجمالها الهادي اللي مالي الشقة سكيـنة. بعد ما خلصوا، دخلت أوضة النوم الكبيرة وقفل هو على نفسه في الأوضة الصغيرة، وفضل صاحي للصبح بيبص في السقف.
وفي نفس الليلة، في بيت تاني، كانت منار طليقة مصطفى قاعدة بتموت من الغيظ وهي بتشوف صور الفرح على فيسبوك، وكانت خايفة لتقع في فضيحة؛ لأن الورق والتحاليل الحقيقية كانت تثبت أن العيب منها هي ومن إعدام التبويض لديها، وأنها هي من قامت بتزوير وتغيير الأسامي في المعمل ليظهر العيب في مصطفى سابقاً لكي لا يطلقها!
مرت الأيام، وفي شقة مصطفى وعايدة، انقلب الحال لجنان بالحب والونس. مصطفى أصبح يعشق البيت وريحة الأكل وضحتكها، وبقيا يقضيان أجمل الأوقات معاً. ولأن ليلة من الأيام تغير كل شيء، تقاربا بصدق وأصبح جوازهما حقيقياً وفعلياً بعيداً عن أي شروط.
لكن المفاجأة الكبرى حدثت بعد شهرين من تلك الليلة؛ عندما بدأت عايدة تشعر بتعب وإرهاق مستمر، وعندما ذهبا إلى الدكتورة سعاد، كانت الصدمة الكبرى: عايدة حامل في الشهر الثاني!
مصطفى اتجمد مكانه وتملك الشك قلبه؛ فتذكر سنتين العذاب وتحاليل الدكاترة السابقة التي أثبتت أنه لا يخلف! عايدة انهارت من البكاء مؤكدة له بصدق أن الطفل ابنه، لكنه تركها ودخل غرفته مقفلاً بابه، غارقاً في الشك والحيرة طوال الليل.
في الصباح الباكر، سافر مصطفى إلى مستشفى بأسيوط، وأعاد إجراء كافة التحاليل والفحوصات الطبية بنفسه، وكانت النتيجة صاعقة ومفرحة: هو سليم تماماً وليس لديه أي مشاكل في الإنجاب، وطبيعي 100%! ثم ذهب للدكتور القديم الذي كان يتابع مع طليقته منار، وتحت التهديد والضغط، اعترف الدكتور أن منار هي من طلبت منه تزوير النتيجة قديماً لأن العيب كان منها هي!
ذهب مصطفى إلى منزل أهل منار ورمى ورقة الحقيقة في وجهها أمام أبيها وأمها لتنكشف كذبتها وفضيحتها أمام الجميع. ثم عاد إلى الصاغة وهو يوزع الشربات والذبائح، ويهتف بأعلى صوت أمام الناس: “مراتي حامل! عايدة حامل في ابني!”
عاد إلى الشقة مسرعاً ووقع على ركبتيه أمام عايدة يطلب منها السماح لأنه شك في رحمة ربنا ولم يصدق في البداية، فحضنته عايدة بدموع الفرح وقالت بصدق: “أنا مقدرة وجعك كله، المهم إنك رجعتلي.”
الخاتمة
بعد سبع شهور، وضعت عايدة مولودها الأول "محمد" في مستشفى النيل بالمنيا. وكان مصطفى يحمله بين يديه غير مصدق سعادته. وفي الليل، وهما يجلسان سوياً، همس لها باشتیاق: “أنا عايز عيال كتير منك، عيلة تملا البيت.” ابتسمت عايدة وقالت: “اللي يجيبه ربنا.” وقالت له الكلمة التي أخفتها في قلبها سنين طويلة: “وأنا بحبك يا مصطفى، بحبك من زمان أوي.”
ونام الثلاثة معاً في دفء وأمان، وقد أصبح البيت الصغير فوق محل الدهب مليئاً بالعائلة والحب الذي طالما حلما به.
تمت.