عباية أخويا حكايات زهرة

لمحة نيوز

اللي حصل يا سادة إن أمي، ربنا يديها الصحة وطولة العمر، مكنش طايقها الصبر ولا السكوت الحكيم اللي أنا عملته. أول ما مشيت وسبت العبايتين على الترابيزة وخرجت بهدوء، أمي جابت آخرها من طريقتنا وقلة ذوق شهيرة وبجاحتها المعتادة، خصوصاً لما جابت سيرتي بكلمة وجعت قلب أمي قبل ما توجعني: "شحاتة وعينها بجحة!".

أمي مسكت تلفونها وضربت على أخويا أحمد في السفر، وفضلت تعيط وتقوله على كل اللي حصل بالحرف الواحد، من غير ما تنقص كلمة ولا تزود حرف. حكت له إزاي شهيرة خطفت الهدية اللي هو مختارها لي بنفسه، وإزاي هزأتني في بيتها وأهانتني وأنا ساكتة عشان خاطره وخاطر صلة الرحم.

أحمد طبعاً، الراجل اللي شقيان وغربته واكلاه، واللي بيبعت الشنطة عشان يفرح العيلة كلها مش عشان مراته تذل أخته الوحيدة، دمه فار واتحرق بطريقة ما تتخيلوهاش. قال لأمي بصوت كله حزم وغضب مخنوق: "سيبي الموضوع ده ليا يا أمي، وسهام دي خط أحمر عندي، واللي جرحها كأنه جرحني أنا شخصياً، اصبري عليا بكره تشوفي هعمل فيها إيه عشان تعرف إن الله حق وإن البجاحة مش بيتباع لها سوق!".

وتاني يوم على العصر كدة، وصل عند شهيرة ديليفري خاص لحد باب بيت أهلي، ووصلت الشنطة السودا الكبيرة اللي مكتوب عليها اسمها "شهيرة" بخط كبير وواضح وبطريقة رسمية جداً.

شهيرة لما شافت الشنطة والشكل الفخم، عينيها لمعت بالطمع القديم، وقالت في نفسها بسعادة وخبث وهي بتفرك إيديها: "أكيد أحمد حس إني زعلت لما كلمته امبارح، وبعتلي هدية تانية يصالحني بيها ويعوضني عن العباية اللي سهام خدتها!" رغم إن سهام هي اللي سابتها بمزاجها.

جريت شهيرة وهي بتتنطط من الفرحة، فتحت الشنطة بسرعة البرق وهي مستنية تشوف طقم ذهب فخم، أو فستان سهرة غالي، أو برفان من اللي قلبها يحبه. لكن المفاجأة... أول ما فتحت الغطاء وبصت جوة، عينيها وسعت للآخر واتجمدت في مكانها من الرعب!

الشنطة مكنش فيها أي هدية تسر.. الشنطة كان محطوط جواها قطعة قماش كفن أبيض تماماً، ناصع البياض، ومطبق بعناية شديدة وكأنه جاهز للاستخدام، ومعاه ظرف أبيض مقفول ومكتوب عليه اسمها بخط إيد أحمد الصارم.

شهيرة اترعبت وقلبها وقع في رجليها، إيديها اترعشت وهي بتفتح الظرف، وطلعت الورقة وقرت الكلام اللي نزل على دماغها زي صاعقة كهربا: "يا شهيرة.. الكفن ده مش للبيع ولا للشراء، ده بيفكرك إن الإنسان لما يموت مش هياخد معاه غير عمله وسيرته الطيبة. اللي تمد إيدها على مال مش حقها، وتهين أختي في بيتي وبيت أمي، وتقول عليها كلمة قليلة الأصل زي دي، ميبقاش لها أمان لا في عرضي ولا في بيتي. الشنطة دي تذكرة ليكي إن الطمع قل ما جمع، وإن جرح الأهل مش هعديه بالساهل. العبايتين اللي أخدتيهم بقوة البلطجة، هتيجي بنفسك تبوسيهم وتحطيهم قدام سهام، وتستسمحيها، ولو ده محصلش خلال ساعة، هيكون ليا تصرف تاني خالص معاكي يخليكي تندمي على اليوم اللي عرفتيني فيه وتحسي إنك ميتة وأنتِ على قيد الحياة".

الكلمات كانت كالسيف على رقبتها. شهيرة حست إن الكفن ده محطوط حوالين رقبتها هي شخصياً، وإن أحمد اللي دايماً طيب وهادي وحنين، لما بيزعل بيقلب لوش تاني خالص مرعب ما تقدرش تستحمله. العزوة، البيت، الاستقرار، وسفر جوزها وخيره... كل ده كان ممكن يضيع في ثواني معدودة لو أحمد طلقها أو غضب عليها غضب حقيقي.

الرعب دب في قلبها، والألوان طارت من وشها. مبقتش قادرة تبلع ريقها ولا تقف على رجليها. جريت زي الملبوسة، فتحت الدولاب وطلعت العباية السوداء بتاعتي اللي خطفتها، وطلعت معاها العباية التانية اللي كانت واخداهم عشاني، وراحت نازلة جري على السلم حافية تقريباً، من غير ما تلبس حتى طرحة عدلة على راسها، لحد ما وصلت عند باب بيتي وهي بتترعش!

أنا كنت قاعدة في الصالة مع ابني الصغير أحمد، شاربة كوباية الشاي بهدوء، ولسه بتكلم مع جوزي وبحكيله اللي حصل امبارح ببرود تام عشان مديش الموضوع أكبر من حجمه وأقفل الصفحة.

وفجأة... صوت خبط على الباب بعنف ومفيش أي صبر، خبط عالي ومتقطع كأن البيت بيولع برة. قمت استغربت، وفتحت الباب بسرعة...

لقيت شهيرة! بس إيه؟ منظرها كان يصعب على الكافر. وشها أصفر لدرجة المرارة، عيونها حمرا من العياط والهلع، وشعرها منكوش، وواقفة بتترعش زي الورقة في الشتاء، وماسكة العبايتين بإيديها الاتنين بقوة وكأنهم طوق نجاة هينقذها من الغرق.

أول ما فتحت وشافتني، مفكرتش لحظة واحدة، وقعت على ركبتها قدام باب الشقة وهي بتعيط بشهقات عالية وتقول بصوت مكسور ومرعوب: "حقك عليا يا سهام! والله العظيم حقك عليا! أنا كنت شيطانة وعميا.. خدي عبايتك، والنبي خدي الاتنين! والله العظيم ما عايزة حاجة منهم ولا عايزة ألمسهم طول ما أنا عايشة! بالله عليكي اتصلي بأحمد وقوليله يسامحني، اقفلي الموضوع ده والنبي عشان عيالي وبيتي مايخربوش!".

بصيت لها وأنا ثابتة في مكاني، مكنش في قلبي أي تشفي، بس كان فيه إحساس عميق بالارتياح إن الحق دايماً ليه رجالة بيحموه، وإن ربنا بينصر المظلوم في الوقت المناسب وبأبسط الطرق.

قلت لها بصوت هادي وثابت يقطع الصخر: "قومي يا شهيرة.. اقفي عدل. أنا مكنتش زعلانة عشان عباية ولا جلابية، العبايتين دول تحت رجلك لو تحبي، الفلوس تروح وتيجي. أنا كان زعلي على طريقتك اللي مش محترمة، وكلمتك اللي جرحتني وأنا في بيت أمي. أحمد أخويا ده راجل شقيان بيغرب نفسه سنين وسنين عشان يفرحنا كلنا، مش عشان مراته تكسر بخاطري وتأذينا بالقوة".

ردت وهي بتعيط أكتر وبتترجاني: "والله العظيم توبة! توبة أمد إيدي على حاجة مش بتاعتي تاني أبداً! أحمد كلمني في التلفون بعد الشنطة دي و... وهددني تهديد رعبني.. أبوس إيدك خلصيني وكلميه قوليله إني جيت لحد عندك واعتذرت وبست راسك كمان!".

وفي اللحظة دي، جرس التلفون بتاعي رن. بصيت على الشاشة لقيت اسم أحمد أخويا. قلبي ارتاح، وفتحت الخط وقلت بصوت حنون وبابتسامة: "حبيبي يا أحمد، حمداً لله على سلامة الشنطة وجمالها".

سمعت ضحكته الهادية في التلفون وهو بيقول لي: "سامعك يا سهام، وسامع شهيرة وهي واقفة عندك بتترجاكي. عسى الدرس يكون دخل دماغها وفهمت إن اللي يمد إيده على حق غيره، ربنا بيبعتهاله بالطريقة اللي ترعبه وتصحيه من غفلته".

قلت له بطيبة قلب وحكمة: "خلاص بقى يا أحمد، البنت اعتذرت واديها جابت العباية لحد عندي وباست راسنا، عفا الله عما سلف، عشان خاطري ما تكبرش الموضوع أكتر من كده وخلي بيتها عامر".

أحمد سكت شوية وبعدين قال بحب: "علشان خاطرك أنتِ بس يا سهام، وعلشان خاطر أمنا، أنا هسامحها المرة دي، بس لو اتكررت تاني، هيكون ليا كلام تاني خالص معاها".

قفلت التلفون مع أحمد، وبصيت لشهيرة اللي كانت واقفة مستنية حكم الإعدام. قلت لها: "قومي يا شهيرة، العباية بتاعتك اللي اخترتيها لنفسك خديها، والعباية بتاعتي اللي أخويا جبهالي هاخدها، وربنا يهديكي وتبطلي طمع وبجاحة بعد كده".

شهيرة أخدت بعضها وجريت على بيتها، ومن يومها ده اتغيرت تماماً، مبقتش تمد إيدها على حاجة مش بتاعتها، وبقت تحترم الكل، واتعلمت درس عظيم في الحياة إن الطمع ما يجيبش غير المذلة، وإن السكوت مش ضعف أبداً.. السكوت هو ذكاء بيسيب الحساب لناس تعرف تربي صح!

تم نسخ الرابط