غداء عائلي بقلم: مشيره محمد

لمحة نيوز

غداء عائلي بقلم: مشيره محمد

بعد ما الفويس نوت وصلت، جسمي كله اترعش. القذارة في الصوت ونبرة التشفي والشماتة خلوا أطرافي تبرد.

شغّلت الصوت تاني عشان أستوعب. 27 ثانية بالظبط، أمه بتقول فيها:

“بص يا محمود يا بني.. المحروقة دي مالهاش قعدة معانا تاني. دي بتمد إيدها على أختك في قلب بيتنا! من بكرة الصبح تروح معاها البنك، تنقل حسابها باسمك زي ما اتفقنا قبل الجواز، وبعدها ترميلها ورقتها. إحنا مش جايبين واحدة شحاتة تفتكر نفسها بني آدمة وتتنطط علينا!”

الفويس نوت دي مكنتش مبعوتالي أنا.. حماتي المتربية أوي بعتتها بالغلَط على شات الجروب العائلي اللي كانوا ضايفيني فيه بعد الفرح بيومين، وافتكرت إنها بتبعته لمحمود على الخاص!

ساعتها بس، كل المكعبات اترتبت في دماغي. كل حرف اتداس عليه في عزومة إمبارح بقا واضح زي الشمس.

الموضوع مكنش جمبري ولا قواعد عيلة.. الموضوع كان “سبوبة”.

أنا اسمي سمر، مهندسة برمجة في شركة إنترناشونال، وبشتغل شفتات نايت ونهار، وعملت قرشين كويسين جداً من شغلي وشغل الفري لانس، وغير الشقة اللي بابا الله يرحمه كتبهالي باسمي قبل ما يموت.

محمود اتجوزني وهو بيمثل دور الزوج الحنين الشهم، اللي راضي بظروفي وداعم لشغلي. بس أهله كانوا شايفين فيّ حاجة تانية خالص: “فرخة بكامك”.

حفظت الفويس نوت عندي على الموبايل، ونزلت منها نسخة على اللابتوب وهارد خارجي. ومسحت الشات من عندي عشان ما يحسوش إني شفت حاجة.

ساعتها محمود كان نايم في الأوضة التانية، صحي على الظهر، طالع يتبختر ولا كأن حاجة حصلت، حاطط إيده في جيبه وبيقولي ببرود:

”صباح الخير يا سمر. أظن فكرتي في كلام إمبارح وعرفتي إنك غلطتي في حق أختي وأمي؟”

بصيتله وأنا بقلي بيض في المطبخ، وبمنتهى الهدوء قُلتله:

”صباح النور يا حودة. اه بصراحة، فكرت ولقيت إني انفعلت زيادة. أصل الشوكة معلمة في إيدي وجعاني، بس كلامك صح.. ما كانش ينفع أمد إيدي على أختك.”

محمود عينيه وسعت من المفاجأة! مكنش متوقع الإجابة دي خالص. كان فاكرني هعمل مناحة وأطلب الطلاق. ابتسم ابتسامة النصر الخبيثة وقرب مني:

”جدعة يا سمر! هو ده العقل. أختي مريم برضه طفلة وشقية، وماما قلبها أبيض. المهم دلوقتي.. ماما كانت بتقول إننا لازم ننزل النهارده نقضي شوية أوراق في البنك عشان نأمن مستقبلنا، وانتي عارفة القوانين الجديدة والضرائب.. أحسن حاجة نعمل حساب مشترك أو تحولي الفلوس باسمي وأنا أديرلك كل حاجة وتتفرغي انتي لشغلك وبيتك.”

قلبي كان بيكلأ نار من النفاق، بس رسمت ابتسامة هادية جداً وقُلتله:

”فكرة ممتازة يا حبيبي. بس البنك النهارده زحمة، إيه رأيك ننزل بكرة الصبح بدري؟ والنهاردة نعمل عزومة صلح عندي هنا في الشقة؟ ننداه لطبلاوي العيلة كله.. مريم وحمايا وحماتي، وأنا هعملهم سفرة سمك وجمبري محصلتش، وأعتذر لمريم قدام الكل ونفتح صفحة جديدة؟”

محمود كان حاسس إنه ملك العالم في اللحظة دي! افتكر إنه كسرني، وأن كبريائي اتهان فبقيت أستسلم.

”الله عليكِ يا سمر! هي دي مراتي الأصيلة. هكلم ماما أقولها دلوقتي فوراً، وهتلاقيهم عندي على الساعة 7 بالليل.”

أول ما محمود خرج يكلم أمه، أنا ابتديت التحركات الحقيقية.

اتصلت بخالي، الأستاذ فاروق، محامي قدير وشديد جداً. شرحتله كل حاجة بالمليم، وسمّعته الفويس نوت.

خالي فاروق زعق في التليفون:

”ابن الـ… بقى كانوا جايين على طمع؟ وحقك اللي اتضربتي بيه بالشوكة والقلم؟”

قُلتله: “يا خالي، الحق مش بتاخد بالعافية والردح.. الحق بتاخد بالقانون وبالدماغ. أنا عايزاك تجيلي بكرة الصبح البنك، بس بليل تيجي العزومة انت وخالتي، وتقعد ساكت خالص لحد ما أديك الإشارة.”

وبعدها اتصلت بشركة أمن خاصة، وعملت حاجة صغيرة في الشقة من غير ما محمود ياخد باله..

جت الساعة 7 بالليل.

الباب خبط، وكان الداخل علينا سيل من الغرور والبجاحة.

دخلت حماتي، الست “صفاء”، لابسة العباية الفاخرة المطرزة، ووراها ابنها وبنتها “مريم” اللي كانت داخلة حاطة بلاستر صغير على خدها ورافعة رأسها لفوق كأنها انتصرت في حرب أكتوبر! وحمايا الحاج “توفيق” راجل ساكت ومالوش رأي، ماشي ورا مراته زي الخيال.

صفاء دخلت الشقة تبص على العفش والأجهزة بعين حسودة، وقالت بقرطسة:

”والله كويس يا سمر إنك عرفتي غلطك بدري. أصل العروسة اللي ما تحترمش أهل جوزها من أول أسبوع.. مالهاش قعدة في البيت ده.”

مريم قعدت وحطت رجل على رجل وقالت:

”أنا خدّي لسه معلم يا محمود! بس يلا.. عشان خاطرك أنت بس هعديها، بشرط السفرة تبدأ باللي أنا عايزاه.”

أنا طلعت من المطبخ بابتسامة صفرا، حطيت المشروبات، وقُلت:

”منورين يا جماعة. الأكل جاهز جوة، بس قبل ما ناكل، أنا عزمت خالي فاروق ومراته عشان يشهدوا على صفحة الصلح الجديدة، وهما على الباب أهو.”

محمود اتوتر شوية: “خالك؟ وهو خالك ماله بالموضوع يا سمر؟”

”يا حبيبي ده بمثابة أبايا الله يرحمه، ولازم يبقى حاضر وأحنا بنتفق على الأصول الجديدة.”

دخل خالي فاروق وزوجته، سلموا ببرود، وقعدوا.

السفرة اتفرشت.. أشكال وألوان من السي فود، جمبري دايس، وكابوريا، وسبيط.

قعدنا كلنا. مريم أول ما قعدت، مدت إيدها فوراً على أكبر جمبرياية، وبصتلي بتحدي..

أنا مسكت الشوكة بتاعتي، وبكل هدوء.. ضربت شوكتي بكل قوتي في ظهر إيد مريم!

”آآآآآآآآآآآي! يا مجنونة!”

مريم صرخت صرخة هزت العمارة، وقامت واقفة ودموعها نازلة، وإيدها بتجيب دم!

محمود قام ينط من كرسيّه: “انتي اتجننتي يا سمر؟! انتي بتعملي إيه؟!”

صفاء قامت تزأر زي اللبؤة: “يا قليلة الأدب! يا بائعة الجمبري! بتضربي بنتي تاني في بيتك؟!”

خالي فاروق قام واقف وقبل ما حد ينطق، أنا قُلت بمنتهى الثبات والبرود:

”إيه في إيه؟ مالكم اتضايقتوا كده؟ مش دي القواعد؟ مش مريم علمتهاني أول أمس؟ ولا القواعد دي بتمشي عليّ أنا بس عشان أنا ‘العتبة الجديدة’؟”

تم نسخ الرابط