بنشتري راجل

لمحة نيوز

”يلا بينا يا ياسين.”

ياسين بص لسلمى بعينين فيها ترجي، كان عاوزها تبص له، عاوزها تقول كلمة واحدة تبرد النار اللي في صدره، بس سلمى لفت وشها وادته ظهرها، ودخلت أوضتها وقفلت الباب بهدوء. الصوت بتاع قفلة الباب كان بالنسبة لياسين زي صوت قفل السجن.

خرج ياسين مع أهله، وطول الطريق في العربية ما حدش نطق كلمة. أبو ياسين كان بيسوق وهو ساكت، وأمه بتبكي في السر. لما وصلوا البيت، أبو ياسين وقفه عند الباب وقال له:

”من النهارده يا ياسين، مش هتدخل البيت ده ولا هتقعد على ترابيزتنا إلا لما تصالح مراتك وترجعها بكرامتها. أنت خيبت أملي فيك، والراجل اللي ما يعرفش يصون وليته، ما يلزموش بيت أبوه.”

قفل أبوه الباب في وشه!

ياسين لقى نفسه في الشارع، في نص الليل، وحيد مع أفكاره. القسوة دي كلها؟ هل كان يستاهل كل ده عشان مجرد “مزحة”؟ بس لما جلس على الرصيف وبدأ يراجع الشريط من الأول، افتكر عينين سلمى وهي بتبكي. افتكر كلامها: “رخصتم مهري فغدوت رخيصة في عينيه”. افتكر كم مرة هي حاولت تلمح له إن الكلام ده بيضايقها وهو كان بيضحك ويزود فيها. افتكر لما كانوا عند أصحابه وطلب منها المية وقال: “هاتي يا علبة البيبسي بدال ما أبدلك بكانز ثانية”.. افتكر الضحكات المتكتكة بتاعت أصحابه اللي كانت بتقتلها من جوه وهو فاكر نفسه دمه خفيف.

حس ياسين بقرف شديد من نفسه. عرف إن حماه ما كانش بقسوة قد ما كان بحكمة. حماه حطه قدام مراية حقيقية كشفت له قد إيه هو كان سطحي ومستهتر.

عدت الأيام.. والأيام بقت أسابيع.

ياسين اتغيرت حياته تمامًا. ساب البيت وقعد في شقة صغيرة بالإيجار، وبدأ يشتغل شغل إضافي بعد شغله الأساسي. كان يصحى من الفجر يشتغل لحد نص الليل. كان عاوز يجمع مبلغ محترم، مش عشان يدفعه مهر، لكن عشان يحس بقيمة القرش وقيمة التعب اللي الأب بيتعبه عشان يربي بنته ويسلمها لراجل.

كان كل يوم بالليل، بعد ما يرجع هدّه المجهود، يقعد يكتب جواب لسلمى. ما كانش بيقدر يبعتهولها لأنه وعد حماه إنه مش هيتعرض لها، بس كان بيكتب كل اللي حاسس بيه:

“سلمى.. أنا النهارده فهمت. فهمت إن الفلوس مش قيمة البنادم، بس الاحترام هو كل قيمة البنادم. أنا كنت فاكر إن الجواز سهل، وإن الكلمة ما بتعورش.. بس اكتشفت إن الكلمة أوقات بتكون أشد من السيف. أنا مش بطلب منك ترجعيلي عشان أنا تعبان، أنا بطلب منك تديني فرصة واحدة أثبتلك فيها إني بقيت الراجل اللي أبوكي كان شايفه فيا أول يوم.”

وفي يوم من الأيام، بعد مرور ست شهور كاملين..

كان ياسين اتغير حتى في شكله. ملامحه بقت أجد، عينيه فيها نضج ورزانة، وبقى يعامل كل الناس بأدب جم واحترام شديد. جمع المبلغ اللي تعب فيه، وراح لباب الحاج متولي.

خبط على الباب وهو قلبه بيدق زي الطبلة. فتح له الحاج متولي. بص له الأب بتمعن، شاف التغير في وش ياسين، شاف التعب والشخصية الجديدة اللي اتكونت في الست شهور دول.

”خير يا ياسين؟” قالها الحاج متولي بصوت هادي مش قاسي.

ياسين وقف بتبجيل وقال:

”مساء الخير يا عمي.. أنا جاي أطلب منك الإذن إني أدخل بيتك.. مش كزوج، لكن كطالب قرب من جديد.”

الحاج متولي سكت لحظة، وبعدين وسّع له الطريق وقال:

”اتفضل.”

دخل ياسين وجلس في الصالة، نفس الصالة اللي شهدت انكساره من ست شهور. الحاج متولي قعد قدامه، وياسين حط شنطة صغيرة على الترابيزة.

”إيه ده يا ياسين؟” سأل الأب.

رد ياسين بصدق:

”ده مهر سلمى يا عمي.. ده شقايا وتعبي في الست شهور اللي فاتوا. أنا اشتغلت شغلين، وعرفت القرش بيجي إزاي والتعب عامل إزاي. المهر ده مش ثمن لسلمى، لأن سلمى ما تتقدرش بمال الدنيا.. المهر ده إثبات مني إني مستعد أشتغل وأتعب وأشيل المسؤولية عشان أكون جدير بيها. وأنا مش جاي أفرضه عليكم، أنا جاي أقولك إن الراجل اللي أنت بتدور عليه، أنا بحاول أكون هو كل يوم.”

في اللحظة دي، خرجت سلمى من الأوضة. كانت أرفع شوية، بس عينيها فيها نظرة أمل خفيفة. بصت لياسين وشافت الفرق الكبير بين الشاب الطايش اللي كان بيهزر بسبالة، وبين الراجل اللي واقف قدامها بكبرياء ونضج.

ياسين بص لسلمى وقام وقف، وقال بصوت ثابت ودافئ:

”سلمى.. أنا بعتذر لك قدام أبوكي، وقدام ربنا قبل أي حد. بعتذر عن كل كلمة تجرح نُطقتها، وعن كل مرة قللت فيها من قيمتك وأنتِ جوهرة حياتي. أنا اتعلمت إن الست الطيبة الأصيلة زيّك ما بتقلش قيمتها بالمهر البسيط، بل بالعكس.. ده كرم من أهلها. وأنا استخدمت الكرم ده بغباوة. لو قبلتي ترجعيلي، أنا بوعدك إنك هتكوني الملكة في بيتي، وإن كلمتك وكرامتك هيبقوا قبل كرامتي أنا شخصيًا.”

ساد الصمت في الصالة، لكن المرة دي ما كانش صمت قاسي، كان صمت مليان مشاعر متلخبطة.

الحاج متولي بص لبنته وقال:

”القرار قرارك يا سلمى.. أنا رديت لك اعتبارك يوم ما حطيت العلب قدام أهله، والنهارده هو جه يدفع الثمن الحقيقي من شقاه وعرقه. أنتِ شايفه إيه؟”

سلمى بصت لأبوها وبعدين بصت لياسين. شافت في عينيه الصدق والندم الحقيقي، وشافت الراجل اللي تحب تتسند عليه طول عمرها.

ابتسمت ابتسامة خفيفة، صافية، وشالت الغل من قلبها وقالت:

”اللي تشوفه يا بابا.. بس بشرط واحد.”

ياسين اتنفس بسرعة وقال:

”شرط إيه؟ أنا موافق على أي شرط!”

سلمى بصت له بذكاء وابتسامة فيها لمحة مداعبة وقالت:

”المشروبات الغازية تتمنع من بيتنا تمامًا.. وما يدخلش بيتنا غير الشاي المصرور الساخن اللي يظبط الدماغ والاحترام!”

ياسين ضحك من قلبه، ضحكة صافية فيها راحة بعد طول عذاب، وقال:

”من بكرة هبني مصنع شاي لو تحبي! وحرمت المشروبات الغازية عليا وعلى عيلتي لآخر يوم في عمري!”

الحاج متولي ابتسم وقام وقرب من ياسين، حط إيده على كتفه وقال له:

”كده أنت أثبت إنك راجل بجد يا ياسين.. والراجل مش باللي بيدفعه، الراجل باللي بيصونه.”

واتجمعت العائلتين من جديد، بس المرة دي في أجواء مليانة احترام حقيقي وفهم لعمق العلاقات. ياسين اتعلم الدرس اللي ما ينساهوش طول حياته: إن كرامة شريكة الحياة هي خط أحمر، وإن التيسير في المهر هو بداعي المروءة، مش ترخيص لقيمة الإنسان. وعاشوا بعد كده في بيئة مبنية على المودة والرحمة والتقدير المتبادل، وصارت قصتهم درس بيتحكى في العيلة عن معنى “إننا بنشتري راجل”.

تم نسخ الرابط