بنشتري راجل

لمحة نيوز

بنشتري راجل بقلم: مشيره محمد

نطق الأب العبارة الأخيرة بصلابة جمدت الدم في عروق ياسين: “البيت اللي يفرط في كرامة بنته عشان يشتري راجل، يقدر يبيع الراجل ده بأرخص تمن لما يكتشف إنه ما طلعش راجل.”

ساد الصمت المكان. صمت ثقيل كان أشد على ياسين من صوت أي صراخ. أهله كانوا قاعدين ومش عارفين يودوا وشهم فين من الخجل. أبوه كان باصص في الأرض ورجله بتترعش من القهر، وأمه كانت بتحاول تبلع ريقها ومش قادرة تنطق كلمة واحدة تدفع بيها عن ابنها. أما سلمى، فكانت واقفة عند باب الصالة، حاطة وشها في الأرض والدموع نازلة من عينها في سكوت، دموع مش ضعف، لكنها دموع حسرة على الأيام اللي عاشتها وهي بتحاول تجمل صورة جوزها قدام نفسها.

وقام أب ياسين، الحاج إسماعيل، من مكانه بالعافية. كان راجل كبير في السن معروف بالشهامة والأصول. بص لابنه بقلة حيلة وبغضب مكتوم، وبعدين التفت لأبو سلمى، الحاج متولي، وقال بصوت مكسور:

”حقك على رأسي يا حاج متولي.. أنا ما عرفتش أربي. أنا افتكرت إني بسلم ابني لبيت أصول يتعلم منه، لكن أثبت لي النهارده إنه ما يستاهلش النعمة اللي كانت في إيده.”

ياسين اتنفض من مكانه وجري على حماه، مسك إيده وكان هيبوسها وهو بينطق بسرعة والدموع محبوسة في عينه:

”عمي.. أرجوك! والله العظيم ما كان قصدي أهينها.. أنا كنت بهزر! والله كان هزار بايخ مني وغباوة.. استهترت وما حسيتش بالكلام.. اديني فرصة واحدة بس وأنا والله هوزن كل كلمة قبل ما تخرج من بوقي!”

الحاج متولي سحب إيده ببرود وهدوء يرعب، وبص لياسين من فوق لتحت وقال:

”الهزار اللي يكسر النفس ما بقاش هزار يا ياسين.. ده اسمه استهانة. لما تناديها قدام الناس وتقولها يا علبة البيبسي، أنت مش بتهزر، أنت بتعرفهم إنك شايفها رخيصة. وأنا بنتي مش رخيصة. أنا لما طلبت منك مهر رمزي، كنت فاكر إني بنسب راجل يصونها، مش بعرض بضاعة في الأوكازيون تشتريها وتفضل تتريق على سعرها!”

أمه لياسين تدخلت بسرعة وهي بتحاول تلحق المواقف، قربت من سلمى ومسكت إيدها:

”يا سلمى يا بنتي.. أنتِ عارفة إني بعزك زي بناتي.. ياسين عبيط وطيش منه، بس بيحبك! عشان خاطري يا بنتي ما تهديش البيت، كبريها في حقنا إحنا.”

سلمى سحبت إيدها بهدوء شديد، وبصت لحماتها وبصت لياسين لأول مرة من ساعة ما دخلوا. كانت نظرتها فاضية، مفيهاش لا كره ولا عتاب، وده كان يرعب ياسين أكتر من الغضب. قالت بصوت واطي بس كل القعدة سمعته:

”أنا ما هدمتش البيت يا طنط.. ياسين هو اللي كان بيهدمه كل يوم بالتدريج. كل مرة كان بيشتري فيها علبة بيبسي ويضحك، كان بيبني جدار بيني وبينه. أنا صبرت وقلت يمكن يفهم.. يمكن يحس إن كلمته بتجرح، لكن لما البواخة بقت أسلوب حياة، ووصلت إنه ينادي عليا بالاسم ده قدام الغريب والقريب، حسيت إني بدفن كرامتي حية عشان أرضيه.”

ياسين حس بالندم بياكل في قلبه زي النار. افتكر كل المرات اللي كانت سلمى بتبتسم فيها ابتسامة باهتة وتسكت. هو كان فاكرها بتقبل المزاح وبيتهيأله إنها روحها رياضية، ما كانش فاهم إن الابتسامة دي كانت قناع بتداري بيه كسرة نفسها. افتكر يوم ما كان واقف عند البقال وفيه واحد جاره واقف، وياسين ندى عليها بصوت عالٍ: “هاتي الفكة يا علبة البيبسي عشان نجيب كانز ثانية!”.. افتكر ضحكة الجار الخفيفة ساعتها، وافتكر إزاي سلمى دخلت البيت يومها وما خرجتش من الأوضة بقية اليوم، وهو يدوب دخل ونام ولا فارق معاه.

أبو ياسين زعق في ابنه بصوت هز الصالة:

”أنت تسكت خالص وما تنطقش بنص كلمة! أنت فضحتنا وقللت من قيمتنا قبل ما تقلل من قيمة بنت الناس!”

وبعدين بص للحاج متولي وقال:

”يا حاج متولي.. كرامة سلمى من كرامتنا، واللي يزعلها يزعلنا إحنا قبلها. أنت ليك حق فوق رُوسنا، وقول الشروط اللي ترضيك وترضي بنتك وإحنا ينفذها فورًا.. لو عاوز مهر جديد باسمها، لو عاوز بيت لوحدها، لو عاوز تكتب لها مؤخر يعجز بلد.. إحنا موافقين.”

الحاج متولي هز رأسه بالنفي وهو بيتحرك ناحية الشباك، بص بره وقال بكلام موزون:

”الفلوس ما بترجعش الكرامة اللي اتكسرت يا حاج إسماعيل. الفلوس دي ورق.. إحنا كنا فاكرين إننا بنشتري راجل بالأخلاق، والنهارده الفلوس مش هي اللي هتصلح الغلطة. ياسين محتاج يتعلم يعني إيه قيمة ست، ويعني إيه أمانة اتسلمت له.”

ياسين كان واقف حاسس إن الأرض بتلف بيه. المسألة ما بقتش مهر ولا فلوس، المسألة بقت إنه اتقال عليه “مش راجل” قدام أبوه وأمه ومراته. الجملة دي كانت بتتردد في ودنه زي الجرس: “نحن نشتري رجلاً”. افتكر أول يوم دخل فيه البيت ده، إزاي الحاج متولي رحب بيه وشرب معاه الشاي وقال له: “أنا مش عاوز منك غير إنك تتقي ربنا فيها”. هو خان الأمانة دي، مش بخيانة أو ضرب، بس بقلة قيمة واستخفاف.

قدم ياسين خطوة ناحية الحاج متولي وقال وهو بينهج من كثرة الانفعال:

”يا عمي.. أنا مستعد أعمل أي حاجة.. أي حاجة تطلبها عشان أثبت لك ولـ سلمى إني اتعلمت الدرس. اعتبرني عيل وغلط، بس ما تحكمش عليا بالإعدام من أول غلطة كبيرة.. اديني مهلة، اديني اختبار، أي حاجة بس ما تاخدهاش مني كده.”

الحاج متولي التفت له، ونظراته كانت جادة جدًا:

”أنت فاكر إن اللي عملته ده غلطة طايشة؟ ده طبع يا ياسين.. الاستهانة بالمشاعر لما تبقى عادة، بتبقى أسلوب حياة. أنت استخصرت فيها المهر الفعلي، واستخصرت فيها الكلمة الطيبة. عشان كده، مفيش رجوع النهارده.”

ياسين اتصدم:

”يعني إيه يا عمي؟ يعني خلاص؟”

الحاج متولي كمل كلامه:

”سلمى هتقعد هنا معايا. مش غضبانة، لكن في فترة إعادة حسابات. أنت هتخرج من الباب ده، ومش هتعتب البيت ده ولا هتشوف سلمى، إلا لما تحس من جواك إنك اتغيرت بجد. ومش بس كلام.. أنا عاوز أشوف راجل بيسعى وبيصون، مش واحد واخد كل حاجة بطفاسة ومفكر إن الدنيا سايبة.”

أبو ياسين اتنفس ببطء وقال:

”عندك حق يا حاج متولي.. ده عين العقل. ابني لازم يتعلم الأدب ويعرف قيمة النعمة.”

وبص لابنه وقال بصرامة:

تم نسخ الرابط