سر الدولاب القديم حكايات منى السيد
العساكر ورجعوا الدولاب مكانه في الحوش براحة ومن غير خدش واحد. عمر ذو الفقار كان باصص لجدران الشقة الضيقة، لرطوبة الحيطة، وللطبلية البلاستيك اللي محطوط عليها لقمتين عيش ناشف وشوية جبنة قديمة، وبعدين بص لأسماء اللي كانت واقفة بعبايتها السادة وبتبص في الأرض باحترام وخجل.
عمر قرب من الدولاب، مشى صوابعه على الخشب المحفور بنقوش الأرو القديمة، عيونه لمعت بحزن عميق الدولاب ده.. جدتي شريفة عبد الحميد الله يرحمها مكنتش بتخلّي مخلوق يقرب منه. لما أبويا والورثة هدّوا الفيلا، النجارين والعمال نقلوا المخازن من غير ما يفهموا، وواحد من العمال الغشماء رمى الدولاب ده في مقلب الزبالة الكبير جنب المشتل وهو فاكره كراكيب مكسورة.. وإحنا قلبنا الدنيا ومسبناش قسم شرطة ولا سوق روبابيكيا إلا وسألنا فيه.
الخواجة ألبير طلع الدوسيه الكرتون المحفوظ، وحطه في إيد عمر الست أسماء هي اللي لقته، وفتحت قفله، ولما شافت الجواب والشهادات مجريتش تبيعه في السر ولا تكسره عشان تطلع حتة خشب تبيعها.. جاتلي المحل عشان تفهم الأمانة دي بتاعة مين وتتصرف فيها بالحق.
عمر مسك الجواب المكتوب بخط جدته شريفة، قراه بصمت.. ونزلت دمعة مسحها بطرف كم بدلته بسرعة. التفت لأسماء وقال بصوت هادي مليان تقدير حقيقي أنتي يا ست أسماء.. حفظتي ذكرى عيلة كاملة من الضياع، وحميتي حاجة كانت بالنسبة لجدتي أغلى من كل الدهب والفلوس اللي ورثوها وبيتخانقوا عليها. أنا راجل في النيابة والمحاكم، وياما شفت ناس بيقتلوا بعض عشان مليم.. عمر ما عيني شافت أمانة ونظافة يد زي اللي شوفتها فيكي وفي ابنك الراجل ده.
أسماء ردت بصوت راضي ومؤمن يا عمر بيه، إحنا ناس فقرا اه، بس عمرنا ما دخلنا على بطون عيالنا لقمة حرام ولا حاجة مش بتاعتنا. المرحوم طارق جوزي مات وسابلي كنز أعظم من كل دولاب، سابلي ولاد بيعرفوا ربنا وبيخافوا من الحرام. ووصية جدتك الست شريفة هانم في الجواب كانت وجع في قلبي كأم، ومكنتش هقدر أرتاح لو العرايس دي اتكسرت ولا اتهانت.
عمر ابتسم ابتسامة صافية، وطلع من جيبه دفتر شيكات وقلم دهبي جدتي كتبت في وصيتها خذها.. بعها لمن يقدرها.. أطعم بها أولادك واستر بها بيتك. أنا مش هشتري منك العرايس، لأنها إرث عيلتي ومش هتدخل مزاد ولا هتتباع برة مصر أبداً، دي هتروح متحف الفنون الجميلة في الزمالك باسم عمتي نادية.. بس المكافأة اللي أنا كنت راصدها لحفظ الأمانة، ونصيبك الشرعي من إنقاذ التركة دي، ده حقك بقوة القانون وبحق الوصية الإلهية.
عمر كتب الشيك، وقطعه من الدفتر، ومده لأسماء. أسماء بصت للرقم المكتوب في الشيك خمسمائة ألف جنيه مصري لا غير. إيدها رجعت لورا برهبة وخوف كتير يا بيه.. والله العظيم كتير أوي، أنا معملتش غير واجبي والأمانة ملهاش تمن! عمر مسك إيدها وحط الشيك فيها وقفل صوابعها عليه بكل احترام ده مش تمن الأمانة يا أم كريم، ده رزق عيالك الأيتام اللي ربنا ساقه ليكي من سبعين سنة، شريفة هانم كتبته بحبر قلبها وربنا حبسه في الدولاب ده سنين طويلة عشان يوصل في معاده للبيت اللي يستحقه ويستره.. خدي الشيك، ومتقلقيش من نيفين ولا مدحت، المحضر اللي اتعمل النهاردة هيدخلهم السجن مش أقل من تلات سنين بتهمة السطو المسلح والترويع، ومحدش فيهم هيجرؤ حتى يعدي من أول الشارع هنا تاني.
٥. شمس جديدة على الخانكة
مرت سنة كاملة على اليوم ده. شوارع الخانكة لسه زي ما هي، بس بيت أسماء الصغير اتغير ملامحه تماماً. حيطة الرطوبة اتقشرت واتعملت محارة وعزل نضيف ودهان بيج دافي منور الصالة. الحوش الصغير اتسقف بخشب موسكي شيك وبقى جنينة صغيرة مليانة شتلات فل وياسمين ونباتات زينة خضرا مبهجة، ريحتها بتملى البيت كله في الصباحية. أسماء مسابتش شغلها في المشتل عشان هي بتحب خضرة الزرع، بس مبقتش عاملة يومية بتنكسر عشان اللقمة؛ شاركت الحاج عبد الرازق في مشتل جديد على الطريق السريع، وبقت شريكة برأس مالها ومجهودها، واسمها معروف بين هوانم المزارع بالست الشاطرة الأمينة.
كريم دخل كلية التجارة، وبقى راجل البيت اللي بيعتمد عليه بجد، لابس قميص وبنطلون مكويين، وشايل مصاريف دروس إخواته من غير ما يشيل هم الجنيه اللي رايح واللي جاي. ومنة كبرت وبقت ست بيت صغيرة بتساعد أمها، والتوأم حسن وهناء بيلعبوا في الصالة بهدوم العيد الجديدة وشبعانين ومبسوطين. أما نيفين ومدحت، المحكمة كانت نزلت عليهم بحكم رادع بالسجن سنتين مع الشغل والنفاذ، وخرجت نيفين من التجربة دي مكسورة الجناح، عرفت إن الظلم آخره وحش، وإن دم ابنها بريء منها ومن طمعها.
وفي يوم جمعة، بعد صلاة العصر، كانت أسماء قاعدة في الصالة بتشرب شاي بالنعناع، والعيال حواليها بيكتبوا واجباتهم المدرسية، وصوت إذاعة القرآن الكريم طالع هادي من الراديو. بصت لحيطة الصالة الرئيسية.. مكانش في دولاب خلاص، بس كان فيه برواز خشب شيك جداً، فيه صورة فوتوغرافية قديمة بالأسود والأبيض للبنت الصغيرة نادية ذو الفقار وهي حاضنة عروستها البورسلين وبتضحك ضحكة بريئة، وجنبها كارت شكر رسمي ممهور بختم وزارة الثقافة ومتحف الفنون، ومكتوب فيه شكر وتقدير من إدارة المتاحف الوطنية إلى السيدة البارة أسماء، لحفظها التراث المصري وإعادة مقتنيات نادية ذو الفقار إلى موطنها الأبدي.
رفعت أسماء إيدها للسما، وعينيها مليانة دموع شكر وراحة، وقالت بصوت هادي طالع من أعماق قلبها الحمد لله يا رب.. سترتني وعوضت صبري خير، ورحمت عيالي من قهر الدنيا وظلم القلوب القاسية.