سر الحبوب بقلـم منال علي
أشوف الخدعة اللي عيشتنا فيها إحنا الاتنين. كنت مفكر إنك ذكي أوي؟ تاخد مني المرتب والشراكة وتستنزفني، وفي نفس الوقت تحبس البنت الغلبانة دي في وهم وتسممها بالبطيء عشان طمعك؟
محمود قرب من السرير بخطوات مهزوزة، وعينيه رايحة جاية بيني وبين أمه سلمى.. اسمعيني.. والله الكلام ده مش كله صح.. أنا كنت محاصر.. الفلوس كانت هتروح مننا والديون كانت هتخرب بيتنا.. أنا عملت ده عشان أأمّن مستقبلنا!
مستقبل مين؟ الكلمة خرجت مني بصوت مش صوتي.. صوت واحدة اتكسرت لحد ما مبقاش فيها مكان يوجعها، ومن كتر الوجع اتولدت فيها قوة غريبة. شيلت المحلول من إيدي بقوة خلت الممرضة اللي دخلت على الصوت تصرخ، وقفت على رجلي وسندت على السرير وبصيت في عينيه مباشرة تأمّن مستقبلنا بإنك تقتل بنتك؟ تأمّن مستقبلنا بإنك تحطلي سم يعجزني تلات سنين وتخليني ألف على دكاترة وأبكي كل ليلة وأقول العيب فيا؟ أنت مش بني آدم.. أنت شيطان لابس وش طيب.
محمود حاول يمسك كتفي سلمى.. متضيعيش تلات سنين عشان لحظة غضب! زقيته بكل قوتي لدرجة إنه رجع لورا وخبط في الباب التلات سنين ضاعوا يوم ما دخلت بيتك يا محمود!
بصيت للباب ولقيت اتنين أمناء شرطة داخلين مع الدكتورة، بعد ما البلاغ اللي عملته الصبح كان خلاص اتحرك رسمي. الدكتورة شاورت عليه هو ده الزوج يا فندم.
محمود وشه جاب ألوان الطيف، وبص لأمه يستنجد بيها أمي.. قولي للظابط إنك أنتي اللي جبتي الحبوب.. قولي له إنها كانت وصفة بلدي وخلاص!
نوال بصت لابنها اللي كان بيبيعها عشان ينجو بنفسه، ولأول مرة دموعها نزلت من غير تمثيل.. بصتله بقرف وندم وقالت أنا جاهلة يا محمود.. وعمري ما كنت أتصور إن ابني اللي ربيته على كتافي يكون بالوساخة دي. أنا هعترف بكل اللي اعرفه.. ومش هغطي على وساختك دقيقة واحدة.
الظابط قرب وكلبش إيد محمود وهو بيصرخ وبيهدد شيرين! اعملي حاجة.. طلعي المحامي بتاعك!
شيرين رفعت تليفونها في وشه وقالت ببرود تجمّد له دمه محامي الشركة بيعملك بلاغ تاني دلوقتي حالا باختلاس أموال وتزوير توقيعات.. حسابك معايا مش في المستشفى يا محمود.. حسابك في المحكمة والنيابة.
خرجوا بيه، وصوته وهو بيترجى وبيزعق كان بيختفي في الممر واحدة واحدة، لحد ما المستشفى رجعت لهدوءها الغريب.
شيرين بصتلي لحظة طويلة، وحطت كارت صغير على الكومودينو أنا مش هقولك إني بريئة تماماً.. بس أنا كمان اتخدعت زيي زيك. لو احتجتي أي شهادة قدام النيابة أو في قضية الطلاق، المحامي بتاعي تحت أمرك.. وحقك هيجيلك لحد عندك. ومشيت.
فضلت واقفة في الأوضة، ونوال قاعدة في الأرض بتعيط وتلطم على وشها بالراحة، مش قادرة حتى تبص في عيني من الخزي. الدكتورة قربت مني، ساندتني لحد ما قعدت تاني على السرير، وحطت جهاز السونار على بطني عشان تتطمن بعد المجهود.
الصوت بدأ يطلع.. نبض منتظم.. الدكتورة ابتسمت بدموع في عينيها وقالت بنتك مقاتلة يا سلمى.. قاومت السم، وقاومت الغدر، وعايزة تعيش معاكي.
حطيت إيدي الاتنين على بطني، وحسيت بنبضها بيغسل كل الخوف اللي جوايا. دموعي نزلت، بس المرة دي مكانتش دموع قهر ولا ضعف.. كانت دموع بداية جديدة.
بعد ست شهور، كنت قاعدة في البلكونة في شقة صغيرة هادية في إسكندرية، شمس العصر دافية، وفي حضني بنتي نور.
محمود خد حكم بخمس سنين سجن بتهمة الشروع في القتل والإيذاء العمد، غير قضايا الاختلاس اللي قضت على مستقبله تماماً. ونوال قضت اللي باقي من عمرها وحيدة في بيتها، مكسورة بتلوم نفسها على عمى قلبها.
بصيت لملامح بنتي وهي نايمة في أمان، وابتسمت. السم اللي كانوا بيحطوه في طريقي مقتلنيش.. ده علمني إزاي أكون درع لبنتي، وإن النهاية اللي كان فاكرها نهاية لحياتي، كانت مجرد بداية لأجمل قصة هعيشها معاها.
تمت