خيبة ابن أمه حكـايات مني السيد حصري
المحتويات
والمحضر على الترابيزة، وقالت بصوت متبهدل من التعب عملها.. وبإيديه دول هيدفع التمن، هو والولية أمه.
سها جابت لها كمادات تلج، وقعدت تقلب في الأوراق وهي بتضحك بحدة ده وقع ومحدش سمى عليه! تقرير طبي مختوم، ومحضر سرقة بالإكراه وتبديد، وعقد الشقة باسمك انتِ؟ ده هيقضي أحلى أيام حياته في التخشيبة! بس قولي لي.. الفيزا اللي خدها دي عملتي فيها إيه؟ ابتسمت أسماء بوجع وقفتها.. لغيتها خالص، بس خليته يفتكر إنه انتصر عشان يعيش اللحظة لحد بكرة الصبح.
في نفس الوقت ده بالظبط، كان محمد قاعد على القهوة مع تلاتة من أصحابه، نافخ صدره وطالب مشاريب وحجرين معسل للكل، وعمال يتكلم عن رجولة الراجل وإزاي الست لازم تتلجم من الأول بصوا يا رجالة، الست لو سبت لها الحبل تسوق فيها.. إنما تجيبها من ودنها وتعرفها مين صاحب الكلمة، تمشي زي الألف! واحد من أصحابه ضحك وقال له يا سيدي ربنا يديك، بس شكلها هي اللي مقبضاك الجمعية النهاردة ومبسوطة منك! محمد طلع الفيزا من جيبه ورماها على الترابيزة بتعالي جمعية إيه يا عم الشحات؟! الكارت ده فيه اللي قلبك يحبه.. الحساب مفتوح، والمشاريب دي كلها على حسابي الليلة دي! نادى على صبي القهوة وطلب الحساب هات يا ابني مكنة الفيزا هنا لما نروق عليك!
الولد جاب مكنة فوري الصغيرة، محمد مسك الكارت ودخله في المكنة، وكتب الباسورد اللي هو حافظه، وضرب رقم الحساب ميتين وخمسين جنيه. المكنة فضلت تدور وتصفر.. وبعدين طلعت صوت تكة طويلة، وطلعت ورقة صغيرة مطبوع عليها بخط عريض العملية مرفوضة البطاقة ملغاة أو مسروقة. يُرجى الاتصال بالبنك.
صبي القهوة مسك الورقة وبص لمحمد باستغراب المكنة بتقول الكارت ملغي يا أستاذ محمد، ومكتوب مسروق كمان! وش محمد جاب ألوان الطيف.. العرق بدأ يصب من جبينه، وأصحابه قاعدين بيبصوا لبعض وبداية ابتسامات خبيثة بانت على وشوشهم. محمد مسك الكارت بتوتر، ورجع جربه تاني جرب يا بني تاني يمكن الشبكة واقعة.. جرب تاني بقولك! الولد جرب للمرة التانية، ونفس الرسالة طلعت، وصوت التنبيه بتاع المكنة رن في ركن القهوة كله مرفوض.. البطاقة لا تعمل.
صاحبه اللي كان بيمازحه بص له وقال بغمزة إيه يا حمادة؟ هي الحكومة قطعت عنك المصروف ولا إيه؟ فين الحساب المفتوح يا عم الراجل صاحب الكلمة؟! الدم غلي في عروق محمد من الإحراج والفضاحة، طلع من جيبه ميتين جنيه بالعافية كان مخليهم للطوارئ، رماهم على الترابيزة وقام وهو بيغلي في عطل في سيستم البنك.. دقايق وراجع لكم!
مسك تليفونه، وبإيد بترتعش من الغيظ اتصل على رقم أسماء.. الرنة طولت.. مرة.. اتنين.. تلاتة.. والرابع كان مغلق تماماً! اتصل على أمه في البيت وصوته طالع مهزوز ومخنوق ألو يا أمي! البت دي فين؟! فايزة ردت بصوت مرعوب ومرتبك معرفش يا محمد.. دي خرجت بشنطة هدومها وسابت البيت من يجي ساعة! خرجت؟! خرجت راحت فين؟! معرفش يا بني! بس البت شكلها مجنون، وبتقول الشقة شقتها وإنها هتحاسبك.. أنت الكارت شغال معاك ولا فيه إيه؟!
محمد وقع قلبه في رجليه.. وقف في نص الشارع في الضلمة، بص للكارت البلاستيك اللي في إيده وبقى حتة خردة ملوش أي تلاتين لازمة، وافتكر فجأة شكل الدم اللي كان على وشها وهي بتبص له نظرة مفيهاش ذرة خوف، واستوعب لأول مرة إن أسماء مكنتش بتمثل ولا بتنكسر.. أسماء كانت بتبدأ حربها!
الليلة دي مكنتش بتعدي، عقارب الساعة كانت بتمشي على مهلها وكأنها بتعصر أعصاب محمد على نار هادية. رجع الشقة وخطواته تقيلة على السلم، كل خطوة كأنها شايلة جبال من القلق والخوف. فتح الباب بإيد بتترعش، لقى أمه واقفة في نص الصالة، عينيها مبلمة في الفراغ وبتفرك في صوابعها بتوتر مظهرش عليها من سنين. الشقة كانت هادية هدوء يوجع القلب، ريحة أسماء وطاقتها اللي كانت مالية المكان بنضافة وترتيب وحياة كأنها اتبخرت، ومفضلش غير شوية كراكيب وفراغ بارد بيقرص في العضم.
فايزة أول ما شافته داخل جريت عليه، مسكت في كم قميصه بلهفة ها يا محمد؟ لقيتها؟ ردت عليك؟ كلمت حد من قرايبها؟ محمد زق إيد أمه بعصبية مكتومة ورما محفظته على الكنبة ألاقي مين يا أمي بس! تليفونها مقفول بالضبة والمفتاح، وكل ما أطلب رقمها يديني مغلق. وروحت دورت في الشارع كأني عيل تايه.. الكارت طلع ملغي ومكتوب عليه مسروق! اتفضحت في وسط القهوة، وشي بقى أد السمسمة والناس بتبصلي كأني شحات نصاب! فايزة خبطت على صدرها بشهقة مكتومة مسروق؟! يا لهوي على دي ولية عقربة! يعني هي بلغت عن الكارت وسرقته؟ دي اتجننت رسمي! بس متخافش يا واد، دي تلاقيها رايحة ترقد عند أي واحدة من صاحباتها ولا مستنية لما تكسر مناخيرك.. بكرة الصبح يخلص القرشين اللي في جيبها وتيجي زاحفة على ركبها، ما هي ملهاش حد، أبوها مات ومقطوعة من شجرة!
محمد قعد على الكرسي وحط راسه بين كفوف إيديه، الدم بيغلي في دماغه لكن في حتة في قلبه كانت بتقوله إن الحكاية المرة دي مش زعلة ولا غضبة حريم عادية. افتكر النظرة اللي بصتله بيها وهي بتمسح الدم من على شفتها؛ مكنش فيها قهر ولا انكسار، كانت نظرة جزار بيحدد مكان الدبحة قبل ما يرفع السكينة.
محدش فيهم عرف ينام ساعة واحدة. فايزة رايحة جاية في الصالة تقرأ معوذات وتسب وتلعن في أسماء، ومحمد قاعد ماسك الموبايل بيجرب يرن كل عشر دقايق على أمل يسمع جرس، بس مفيش غير الصوت الآلي البارد الهاتف الذي طلبته مغلق أو غير متاح حالياً.
مع أول خيوط شمس الصبح، في شقة سها في فيصل، كانت أسماء قاعدة قدام فنجان شاي بلبن. وشها كان لسه وارم شوية، والزرقة اللي تحت شفتها باينة، بس ملامحها كانت صافية بشكل غريب، كأن في حمل تقيل اتشال من على كتافها بعد سنين من التردد. سها دخلت الصالة وهي شايلة ملف كبير، لابسة روب المحاماة الأسود وبتلم شعرها لفوق جهزتي يا أسماء؟ أسماء رفعت راسها وبصتلها بهدوء جهزت من زمان يا سها.. السنين اللي فاتت دي كلها كنت بحاول أشتري راحة بالي بالفلوس والسكوت، بس اللي يشتري رخيص بيتباع برخص التراب. سها ابتسمت ابتسامة واثقة متقلقيش، أوراقك زي الحديد. التقرير الطبي بتاع المستشفى العام ده كنز، ومحضر السرقة والضرب اتحول للنيابة خلاص تحت رقم جنحة، وعقد إيجار الشقة باسم والدك أهو.. وأنا جهزت عريضة دعوى طرد للغصب، ودعوى تبديد، وإنذار على يد محضر بتسليم منقولات الزوجية، وغير كده رفعنا قضية طلاق للضرر مع الحفاظ على كل حقوقك الشرعية وقايمة العفش ومؤخر الصداق. أسماء مسكت شنطتها وقامت يلا بينا.. عايزة أخلص كل خطوة على أصولها.
الساعة تسعة الصبح، في شقة الهرم.. محمد كان لسه صاحي من نوم متقطع، لابس هدومه عشان ينزل يدور عليها في المستشفى الاستثماري اللي شغالة فيها، ومجهز في دماغه خناقة يهد بيها المكان على دماغها. أمه كانت واقفة في المطبخ بتعمل شاي وهي بتتمتم هتروح تفركها هناك يا محمد، متسيبهاش لما تصغرنا قدام الناس، قول لمديرها إنها ست ناشز وسابت بيت جوزها!
وفجأة.. صوت رزع عنيف جداً على باب الشقة! صوت خبط مبيخبطش بيه زبون ولا صاحب بيت، خبطات تقيلة ومنتظمة بتهز حلق الباب الخشب كله. فايزة طلعت من المطبخ وهي مخضوضة مين اللي بيكسر الباب كده على الصبح؟! محمد راح ناحية الباب وبص من العين السحرية، لقى اتنين أمناء شرطة ببدلهم الميري، ووراهم ظابط مباحث برتبة ملازم أول، وجنبهم أسماء وسها المحامية!
محمد بلع ريقه بصعوبة، ركبته خبطت في التانية، ورجع خطوة لورا. فايزة سألته بهمس مرعوب مين يا واد؟ هي أسماء رجعت؟ محمد صوته مكنش طالع، شاور على الباب وقال بتأتأة الش.. الشرطة يا أمي.. البوليس برة ومعاهم أسماء!
الصوت من برة رن بلهجة آمرة وصارمة افتح الباب يا محمد يا فتحي! معاك مباحث قسم الهرم، افتح بدل ما نكسر الباب طبقاً لأمر النيابة!
فايزة وشها اتقلب كركم، ولطمت على خدودها بصوت واطي يا داهية دقي! بوليس؟ البت جايبة البوليس على بيتنا؟! محمد فتح الباب بإيدين كأنهم لوح تلج، وشه كان مفيهوش نقطة دم، وحاول يرسم ابتسامة باهتة وصوت مهزوز خ.. خير يا فندم؟ في إيه يا باشا؟ في حاجة غلط؟
الظابط دخل خطوتين جوة الصالة ببرود وثقة، وبص لمحمد من فوق لتحت، وبعدين بص للورقة اللي في إيده أنت
متابعة القراءة